تعاني النساء الحوامل في قطاع غزة من أوضاع صحية شديدة الخطورة، نتيجة نقص حاد في الغذاء والمكملات والدواء، في ظل حصار مستمر وتدمير ممنهج للبنية التحتية الصحية.
وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسب الإصابة بفقر الدم وسوء التغذية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على صحة الأمهات والأجنة.
ضعف وفقر دم
في إحدى عيادات متابعة الحمل بمدينة غزة، تجلس أميرة صالح (28 عامًا)، تضع يدها على بطنها المنتفخ في شهرها الثامن، وتشتكي سوء وضعها الصحي قائلة: "أشعر بالدوار طوال الوقت، والطبيبة أخبرتني أن الجنين يعاني من ضعف في النمو. لا نجد الطعام، ولا حتى المكملات الغذائية. أحتاج إلى البروتينات والفواكه والخضروات، لكنها غير متوفرة".
وتضيف الأم: "حذرتني الطبيبة من الولادة المبكرة بسبب ضعف الجنين وضعف الدم، لكن ما باليد حيلة". وتتساءل بتهكم: "هل يُعقل ألا أتناول البيض ولا الحليب منذ أشهر؟ هل ستحل المعلبات المشكلة؟!".
ووفقًا لإحصائيات صادرة عن وزارة الصحة في غزة، فإن أكثر من 65% من النساء الحوامل يعانين من فقر الدم بدرجات متفاوتة، بينما تعاني واحدة من كل ثلاث نساء من نقص حاد في العناصر الغذائية الأساسية، مثل الحديد والكالسيوم وحمض الفوليك.
داخل عيادات رعاية الأمومة، يزداد القلق من تزايد حالات الولادة المبكرة وتشوهات الأجنة بسبب نقص التغذية. وتؤكد إحدى الممرضات، فضلت عدم ذكر اسمها، أن العديد من الأطفال يولدون بوزن أقل من الطبيعي، وبعضهم يحتاج إلى حاضنات غير متوفرة، بسبب تدمير العديد من المستشفيات ونفاد الوقود اللازم لتشغيل الأجهزة.
وتقول: "نستقبل يوميًا عشرات الحالات الحرجة، ونعجز عن توفير المكملات الغذائية، وبعضهن يصلن إلى المستشفى في حالات إنقاذ طارئة".
وتضيف: "أصبحت نصائحنا للأمهات شكلية. نقول لهن: 'تناولي الحليب، البروتين، الخضار'، ونحن نعلم أن هذه المواد مفقودة أو أسعارها تفوق قدرتهم الشرائية".
لم تعد المكملات الغذائية مثل الحديد وحمض الفوليك مجرد رفاهية في غزة، بل حلمًا بعيد المنال. تقول مريم (34 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال وحامل بطفلها الرابع: "أزور الصيدليات دون جدوى، حتى حبوب الحديد أصبحت غير متوفرة، وأنا أشعر بدوخة مستمرة وتعب لا يفارقني".
تشتكي مريم، الحامل في شهرها السادس، من أن الأزمة لا تقتصر على نقص الدواء، بل تمتد إلى ما هو أبسط: الطعام. فارتفاع أسعار الحليب والبيض والخضروات الأساسية يجعل من تأمين وجبة مغذية للحامل أمرًا صعب المنال.
وتقول: "أتقاسم رغيف الخبز مع أطفالي، وأكتفي أحيانًا بالماء والشاي طوال النهار".
ولادات مبكرة
بدورها، قالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية، مارغريت هاريس، إن 90% من النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة يعانين من سوء تغذية حاد، وإن نقص المعدات الطبية يحول دون حصولهن على العلاج اللازم.
وأشارت إلى أن صحة الأمهات والأطفال في غزة شهدت تدهورًا حادًا منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وشددت على أن الكثير من النساء والأطفال في غزة بحاجة ماسة إلى العلاج.
وقالت بهذا الخصوص: "كثيرون منهم بحاجة ماسة إلى العلاج. ولا تصل إلى غزة أي مساعدات غذائية أو طبية حاليًا. الأمهات والأطفال يعانون بالفعل، والوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم".
وفي السياق ذاته، قال الدكتور سامي لبد، طبيب الأطفال وحديثي الولادة، إن سوء التغذية لدى الحوامل أثر سلبًا على وضع المواليد، وزاد من نسبة الولادات المبكرة والأطفال الخدج داخل الحاضنات.
وأضاف في مقابلة سابقة مع "الرسالة": "ما قبل العدوان، كنا نستقبل من حالتين إلى ثلاث شهريًا، لكن هذا العدد تضاعف".
وذكر لبد أن المواليد الخدج لهم وضع خاص، وحساسيتهم شديدة، ويحتاجون إلى تعامل دقيق، مشيرًا إلى أن كل ما يجري هو انعكاس لسوء تغذية الحوامل وفقدان المتابعة الصحية خلال فترة الحمل.
ووفقًا للبد، فإن من الأسباب كذلك الضغط النفسي الذي تعانيه الأم، والنزوح المستمر، إلى جانب أعباء العمل المنزلي الذي أصبح شاقًا، ويحتاج إلى مجهود مضاعف، كإشعال الحطب ورفع الماء، وهو ما يؤدي إلى ولادات مبكرة، لتبدأ بعدها معاناة المواليد.
وأشار إلى أن الأطفال الخدج غالبًا ما يعانون من متلازمة التنفس الرئوي الحاد، ويحتاجون إلى عناية مركزة ورعاية خاصة، وقد يحتاج المولود إلى جهاز تنفس صناعي وأدوية لرفع الضغط، وهي إجراءات صعبة في ظل الوضع الراهن.
وبحسب أخصائي حديثي الولادة، فإن سوء التغذية لدى الأم يؤدي أيضًا إلى ولادة عدد كبير من الأطفال الذين يعانون من نقص الكالسيوم، ما يسبب لهم تشنجات بعد الولادة.