في مشهد يعكس أقسى صور الانهيار الإنساني وأشد مستويات الانحدار الأخلاقي، ارتكبت قوات الاحتلال "الإسرائيلي" مجزرة مروعة داخل مستشفى غزة الأوروبي، أحد آخر المعاقل الطبية التي بقيت تتنفس وسط ركام القطاع المنكوب.
في انتهاك سافر لكل الأعراف والمواثيق الدولية، قصفت "إسرائيل" المستشفى بما فيه من مرضى، أطباء، ومسعفين، لتؤكد مجددًا أن الحرب على غزة ليست فقط حربًا على المقاومة، بل حربًا ممنهجة لإبادة شعب بأكمله، بكل ما يحمله من بشر، وحجر، وأمل.
كما أُجبر المستشفى على إخلاء جميع المرضى والطواقم الطبية، اليوم الأربعاء، عقب سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت ساحة المستشفى ومحيطه خلال اليومين الماضيين.
وأكدت مصادر طبية استشهاد عدد من المواطنين وإصابة العشرات في سلسلة من الغارات العنيفة التي استهدفت محيط المستشفى وساحته، حيث شنت طائرات الاحتلال تسع غارات متزامنة، في قصف وُصف بأنه الأعنف على منشأة طبية منذ بداية الحرب.
وقد تضررت أقسام واسعة من المستشفى، بما فيها غرف العمليات والعناية المركزة، ما فاقم من حالة الانهيار الصحي الكامل في المنطقة الجنوبية للقطاع.
ورغم وضوح الجريمة، حاولت "إسرائيل" عبر جيشها وإعلامها تبرير المجزرة من خلال مزاعم باتت نمطًا متكررًا يستخدمه الاحتلال لتبرير قصفه للمدنيين، وهي روايات لم تعد تقنع حتى حلفاءه، بل تُقابل بتشكيك واسع من المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية.
الجريمة تأتي بعد أقل من 24 ساعة على استهداف مجمع ناصر الطبي، أكبر مستشفيات غزة، ما أسفر عن استشهاد وجرح عدد من المرضى، بينهم الصحفي حسن إصليح. لم تكتف "إسرائيل" بتدمير البنية التحتية الصحية، بل أصبحت الطواقم الطبية نفسها هدفًا مباشرًا، ما يؤكد أن الهدف الحقيقي هو القدرة على البقاء الفلسطيني.
وبحسب إحصاءات رسمية، فإن 38 مستشفى و81 مركزًا صحيًا و164 مؤسسة طبية تم تدميرها أو إخراجها عن الخدمة منذ بدء العدوان. أرقام تؤكد أن ما يجري ليس استهدافًا عرضيًا، بل خطة ممنهجة لإبادة مقومات الحياة، تبدأ بقصف المنازل وتنتهي بمحو المستشفيات ومراكز الإغاثة.
لم يكن استهداف مستشفى غزة الأوروبي استثناءً، بل جزء من سياسة واضحة لتفكيك ما تبقى من المنظومة الصحية، ودفع الجرحى نحو الهلاك البطيء، وحرمان الفلسطيني من حقه في العلاج، في الأمل، في البقاء.
رواية "إسرائيل" عن "وجود أهداف عسكرية" داخل المستشفيات لم تعد سوى رخصة مفتوحة للقتل، تُستخدم لتبرير المجازر أمام كاميرات العالم. لم تعلن "إسرائيل" عن أي إنجاز عسكري في هذا الهجوم، سوى مشاهد الدم المتناثر على الأسرة، والأطفال المشلولين تحت الركام، والأطباء الذين سقطوا شهداء وهم يحاولون إنقاذ الأرواح.
وتحوّلت المستشفيات من رموز للنجاة إلى ساحات للموت، في ظل آلة عسكرية مدججة بالحقد ومدعومة بصمت دولي مخزٍ. هذا السكوت لا يعكس فقط عجزًا أخلاقيًا، بل يمثل تواطؤًا فاضحًا يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة جريمته الكبرى.
ما جرى في مستشفى غزة الأوروبي ليس مجرد حادثة، بل جريمة حرب موثقة، بل لعلها الأكثر توحشًا في تاريخ الحروب الحديثة. فحتى أكثر الأنظمة بطشًا لم تبلغ هذا المستوى من الوحشية ضد المرافق الإنسانية والطبية.
ووسط هذا السواد، يعلو صوت الضحايا: جثامين على الأسرّة، أنين من تحت الركام، وصرخات تائهة لا تجد من يسمعها. وبين تلك الأصوات، تتجلى الحقيقة المؤلمة: غزة تُذبح، والعالم يتفرج