لم تنفك مساعي دولة الاحتلال في تهجير الشعب الفلسطيني؛ عن أدبيات الفكر الصهيوني التي انطلقت معها دولة الكيان؛ وعبر عنها حكامها ب"حرب الهيكل الثانية"؛ التي يراد من خلالها استكمال تهجير الشعب الفلسطيني.
عملية التهجير التي تتضح فصولها لم تستهدف موقعا جغرافيا بعينه في الخارطة الفلسطينية؛ وإن كانت القوة العسكرية تحتشد في قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر من العام 2023؛ والذي سبقه الرد الفلسطيني في محاولة كبح جماحه.
حرب الإبادة طالت الضفة المحتلة كذلك؛ فسحقت 7 مخيمات من أصل 19 مخيما؛ جعلت أهلها في سياق معادلة التهجير القسري؛ وبلا عودة لمخيماتهم.
حصيلة العدوان 42 ألف فلسطيني هجروا قسرا من مخيماتهم؛ كان الأبرز بينهما مخيمي جنين وطولكرم؛ وبقية المخيمات الأخرى في شمال الضفة المحتلة.
وقرابة 80% من البنية التحتية لهذه المخيمات لم تعد موجودة؛ في ظل الدمار المهول التي طالها؛ تحت بند توسعة الساحات والشوارع؛ في هدف رئيسي يعتمد إزالة المخيمات من الوجود في الضفة المحتلة وتغيير طابها الديمغرافي والطبوغرافي معا.
توجت هذه الجرائم؛ بقرار صدر عن الكابينت الإسرائيلي الذي قرر الاستيلاء على 60% من أراضي الضفة المحتلة.
السيطرة التي تعني إزالة 100 ألف وحدة سكنية في مناطق سي وبي ؛ وهي المناطق التي صنفها اتفاق أوسلو بخضوعها للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
لكن السيطرة تجاوزت حدها للضم في مخطط بات واضحا التنفيذ؛ ترجمت أفعاله في سياق السيطرة الفعلية على آلاف المساحات من الدونمات في الضفة المحتلة.
أمير داوود، مدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الضفة الغربية تشهد تصعيدًا استيطانيًا وهدمًا واسع النطاق منذ السابع من أكتوبر، في موجة تُعدّ الأخطر منذ عقود.
وأوضح داوود في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"، أن الأراضي المصادَرة بعد هذا التاريخ بلغت أكثر من 53 ألف دونم، تم نزع ملكيتها لصالح مشاريع استيطانية، بينها 10 آلاف وحدة سكنية قيد الدراسة والمصادقة في مراحل متقدمة من الإيداع والتنفيذ.
وفيما يتعلق بملف الهدم، أشار داوود إلى أن المعدلات الكمية للهدم لا تزال على نفس النسق، لكن اللافت هو تصاعد نوعية المنشآت المهدّمة، حيث توسع الاحتلال في هدم المنازل المبنية بالإسمنت خلافًا للفترات السابقة التي كانت تتركز على البركسات والخيام، بحجة عدم الترخيص.
وأضاف: "عدد الإخطارات بالهدم ارتفع بشكل كبير، وهناك ما يقرب من ألف إخطار هدم تم تسليمه مؤخرًا، ما يُنذر بموجة هدم واسعة في المرحلة القادمة".
وتحدث داوود عن سحب صلاحيات من المحميات الطبيعية شرق بيت لحم والخليل والقدس، والتي تضم نحو 500 مبنى مهدد بالإزالة، في إطار مخطط لتوسيع النفوذ الاستيطاني تحت غطاء الحفاظ على الطبيعة.
أما على صعيد التهجير، فكشف داوود عن تهجير 30 تجمعًا بدويًا، خاصة في المناطق الواقعة بين أريحا وشرق رام الله وجنوب الخليل، ما أدى إلى ترحيل نحو 1800 مواطن، وذلك وسط تصاعد الاعتداءات من قبل المستوطنين، حيث تم تسجيل 4 آلاف اعتداء منذ أكتوبر، أسفرت عن استشهاد 22 مواطنًا على أيدي مستوطنين مسلحين.
وفي تطور لافت، أشار داوود إلى إنشاء 15 منطقة عازلة بأوامر عسكرية جديدة حول المستوطنات، وهي ظاهرة برزت بعد السابع من أكتوبر. وقال إن هذه المناطق تُقدر مساحتها بنحو 7 آلاف دونم تم منع المواطنين من الوصول إليها، رغم أنها ليست مصادرة رسمية، بل خاضعة لأوامر "منع وصول مؤقت".
وخلص داوود إلى أن الأراضي المصنّفة كـ"أراضي دولة" بلغت نحو 24 ألف دونم، إضافة إلى 24 ألف دونم أخرى كمحميات طبيعية، ما يشير إلى تغير استراتيجي خطير في سياسات الأرض والتهويد، خاصة وأن المعدلات الحالية تتجاوز بثلاثة أضعاف المعدلات السنوية المعتادة خلال العقود الثلاثة الماضية.
تهجير شامل
ويرصد كريم جبران، المتحدث باسم مؤسسة "بتسيلم"، إن الاحتلال الإسرائيلي صعّد من سياساته التهجيرية بحق التجمعات البدوية في الضفة الغربية، خاصة في جنوب الخليل، والأغوار، ومنطقة عين سامية شرق رام الله.
وأوضح جبران لـ"الرسالة نت"، أن 21 تجمعًا بدويًا تم تهجيرهم مؤخرًا، تضم عددًا كبيرًا من العائلات، مشيرًا إلى أن بعض هذه التجمعات – مثل ثلاثة منها – تم تهجيرها قبل السابع من أكتوبر، لكن العائلات التي انتقلت آنذاك وجدت نفسها اليوم في مناطق جديدة مهددة بالتهجير مرة أخرى.
وأشار إلى أن التجمعات التي لا تزال موجودة فعليًا على الأرض تعيش تحت ضغط ممنهج ومتواصل، خاصة بعد إقامة بؤر استيطانية جديدة في محيطها، ومنها بؤرة استيطانية أقيمت قرب منطقة الخان الأحمر، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للمنطقة ومقوّمات صمودها.
وأكد جبران أن هذا التصعيد يعكس سياسة واضحة تهدف إلى تفريغ المناطق الحيوية في الضفة الغربية من سكانها الأصليين، وإحلال الوقائع الاستيطانية بالقوة وتحت غطاء أمني وسياسي.
وشدّد على أن مؤسسة "بتسيلم" توثق هذه الانتهاكات وتُطلع المجتمع الدولي على تفاصيلها الخطيرة، داعيًا إلى تحرك دولي عاجل لوقف هذه السياسات التهجيرية التي تُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
اعتداءات وتخريب
أما عن حجم الاعتداءات في الضفة المحتلة؛ من هدم وقتل وتدمير؛ فقال نضال أبو يونس، رئيس مجلس مسافر يطا، أن المستوطنين باتوا أكثر جراءة ودموية في اعتداءاتهم ضد المواطنين الفلسطينيين، خاصة منذ السابع من أكتوبر، حيث أصبح الهدف المعلن لتصرفاتهم هو القتل والتخريب والتهجير.
وأكد أبو يونس لـ"الرسالة نت"، أن سلوك المستوطنين تجاوز كل الحدود، قائلاً: "ما بعد 7 أكتوبر، لم يعد هناك أي اعتبار للقانون. المستوطنون يسرقون، يدمرون، يعتدون، كل ذلك على مرأى من الشرطة التي لا تحرّك ساكنًا، بل تُظهر تجاهلًا متعمّدًا".
وأضاف أن الاعتداءات تحولت من إطلاق نار أو ضرب فردي، إلى هجمات منظمة وممنهجة تستهدف القتل والإيذاء، مبينًا أن مقارنة إحصائية بين عام 2024 و2022 تظهر أن الاعتداءات الجسدية على الأشخاص تضاعفت بما يقارب 40 مرة.
أما على صعيد المنازل والممتلكات، فأشار أبو يونس إلى أن وتيرة الاعتداءات تضاعفت بنسبة 100%، قائلاً: "لم نكن نشهد من قبل أن يقوم المستوطنون أنفسهم بهدم البيوت، أما اليوم فهم يفعلون ذلك عمدًا، بهدف التخريب والضغط للرحيل القسري".
وكشف أن المستوطنين لم يكتفوا بهدم المنازل، بل توسعوا إلى هدم آبار المياه، سرقة الأغنام، إحراق البيوت، والاستيلاء على الممتلكات، وهي ممارسات لم تكن تُسجّل قبل السابع من أكتوبر.
واختتم أبو يونس تصريحه بالقول: "ما يحدث في مسافر يطا ليس مجرد تصعيد، بل هو تطهير عرقي كامل، هدفه ألا يبقى أي فلسطيني في هذه المنطقة".
الداخل المحتل
في الداخل المحتل؛ يرصد عضو المجلس البلدي لمدينة اللد؛ محمد أبو شريقي؛ تهجير 4 أحياء فلسطينية؛ مقابل 3 أحياء يهودية تم انشائها للحريديم الذين تم استقدامهم من شمال الضفة المحتلة.
وقال أبو شريقي لـ"الرسالة نت"، إنّ حصيلة هذا المخطط تهجير 12 ألف فلسطيني من المدينة؛ واستقدام قرابة 15 ألف مستوطن.
وبين أن هذا المخطط هو جزء من عملية تفريغ المدن المختلطة؛ من السكان الفلسطينيين؛ واحلال تجمعات يهودية؛ على غرار ما يجري من محاولة بناء أحياء جديدة في السوق القديم باللد.
وأوضح أن ما يحدث في اللد هو مقدمة وتوطئة لعملية تهجير تحت الضغط؛ خاصة مع تورط الشرطة الإسرائيلية عمليا في قضايا القتل والفوضى بالبلدات العربية.