الموت القادم من شمال غزة.. هذا ما حدث الليلة الماضية

الموت القادم من شمال غزة ...هذا ما حدث الليلة الماضية
الموت القادم من شمال غزة ...هذا ما حدث الليلة الماضية

الرسالة نت- خاص

في ليلة من أقسى ليالي غزة، عندما اشتعلت السماء بالقصف لتحكي قصة مأساة لا تنتهي، كان شمال القطاع مسرحًا لجحيم قصف لا يرحم. أصوات الانفجارات دوت من كل جانب، تاركة وراءها خرابًا وأشلاء بشرية لا تحصى.

 

في مستشفى العودة بتل الزعتر، كان المشهد أكثر من مأساوي؛ ما يزيد عن مائة شهيد وصلوا، بالإضافة إلى 67 مصابًا، والعدد في تصاعد مستمر مع كل دقيقة تمر. في ظل توقف الخدمات الطبية في شمال القطاع بالكامل، باستثناء مستشفى العودة والمستشفى الإندونيسي، واجه الطاقم الطبي ضغطًا هائلًا لا يطاق، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية.

 

داخل أسوار المستشفى، وقفت مشاهد لا يمكن أن تنساها الذاكرة بسهولة. أب يقبل قدم طفلته الممددة على قدميه، تلك الطفلة التي فارقت الحياة بفعل القصف الوحشي، يعجز عن فهم حجم الفاجعة التي حلت بعائلته الصغيرة. وفي زاوية أخرى، صوت رجل ينادي بنبرة محطمة: "كفنوها مع أمها"، مشهد مؤلم، حيث استشهدت الأم وابنتها في ذات القصف الذي هز بلدة بيت لاهيا، لم يفرق الموت بين طفل وأم، كلاهما ضحية آلة الحرب القاسية.

 

المستشفى، الذي يعاني من نقص في أبسط مقومات العلاج، اكتظ بالشهداء الذين تمددوا في ساحته، وبين غرف الاستقبال، والعيادات، وحتى في الممرات الضيقة. كان جسد الإنسان هنا ليس أكثر من رقم في قائمة الخسائر، وكأن الموت حل ضيفًا ثقيلاً على كل ركن. الطواقم الطبية، رغم كل الصعوبات، لم تتوقف عن العمل، تحاول جاهدة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها تكاد تفقد السيطرة أمام هذا الزخم المرعب من الإصابات الخطيرة.

 

أما في الخارج، فلم يكن هناك مكان آمن. القصف المتواصل هدم منازل وأعدم أسرا بأكملها، تاركًا مئات العائلات بلا مأوى، وبلا أمل. في تل الزعتر وبيت لاهيا، ما زال المئات تحت الأنقاض، تنتظر فرق الإنقاذ الوصول إليهم وسط عوائق شديدة وصعوبة بالغة في التحرك بسبب استمرار القصف.

 

قوات الاحتلال لم تتوغل بريًا بشكل واسع كما ظن البعض، لكنها متمركزة في أماكن حساسة، مثل شمال بيت لاهيا بجانب مدرسة الفردوس، التي لا يسكنها سوى عدد قليل من اللاجئين بسبب موقعها الأمني، ويبقى مصير هؤلاء مجهولاً وسط هذه الدوامة من العنف.

 

الليل في شمال غزة لم يكن سوى ساعات من الخوف والرعب، حيث أصوات الانفجارات تعلو بين أحياء السلاطين والمنشية والحطبية، تتحول إلى ليل بلا نوم، بلا أمان، بلا استراحة. وفي منطقة أبو صفية الحدودية، تمركزت خمس آليات عسكرية يمكن رؤيتها من تل الزعتر، مما يثير مخاوف من توسيع دائرة التوغل في الساعات القادمة.

 

كل هذه المشاهد المأساوية خلفتها الغارات العنيفة، التي أزهقت أرواح أكثر من 100 شهيد، وأدت إلى مئات الجرحى، مع أعداد كبيرة من المفقودين الذين لا تزال فرق الإنقاذ تحاول الوصول إليهم، وسط ظروف صعبة وخطرة. كانت هناك حكايات مؤلمة عن منازل تم اقتلاعها من جذورها، مثل منزل عائلة الزيناتي في منطقة التوام، والذي قصف بطريقة مدمرة، مخلفا حفرة عميقة، فلا أشلاء متناثرة، ولا حتى بقايا حجارة، كأن القصف اقتلع حياة ساكنيه بكل وحشية، مع أن الجيران أكدوا أن المنزل كان مليئا بالسكان.

 

وفي عزبة عبد ربه، حيث استهدف القصف النازحين، تناثرت الأشلاء بين الركام، وكان الهلال الأحمر عاجزًا عن الوصول بسبب الحصار والتضييقات، لكن رغم كل ذلك، يصر السكان على البقاء في أماكنهم، يرفضون النزوح، بالرغم من أن كل لحظة تمر تزيد من حجم المأساة.

 

ليلة الشمال كانت درسًا قاسيًا في الألم والمعاناة، حكاية صمودٍ في وجه الموت، يرويها أطفال فقدوا أهلهم، وآباء وأمهات أرهقهم الحزن والجوع، وأطباء يداهمهم التعب والإحباط أمام حجم الكارثة الصحية.

 

غزة تصارع الموت في كل زاوية، ولكنها رغم كل ذلك ترفض الانكسار، وتحافظ على نبضها رغم الألم، تحاول أن تبعث بصيص أمل وسط رماد الحزن والدمار.