قائمة الموقع

غزة بلا خبز والمواطنون في قلب المجاعة 

2025-05-18T14:20:00+03:00
غزة _ خاص الرسالة نت 

في الأزقة الضيقة لمخيمات النزوح في غزة، لم تعد رائحة الخبز تفوح مع شروق الشمس؛ فقد بدأ الدقيق ينفد من بيوت الغزيين، لتغيب معه الوجبة الأساسية التي تُشكّل عمود الحياة اليومية. ومع استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات، لم تتوقف الكارثة عند هذا الحد، بل امتدت لتطال بدائل الخبز من مكرونة وعدس وأرز، والتي باتت أيضًا مفقودة من الأسواق والمنازل.
دون خبز
تشير التقارير الإنسانية إلى أن مئات آلاف العائلات لم تعد تملك في منازلها أي كميات من الدقيق، مما أدى إلى توقف الخبز عن كونه غذاءً يوميًا، ليغدو حلمًا بعيد المنال. ومع الحصار الخانق، واستمرار العدوان، وانقطاع الإمدادات، باتت المجاعة واقعًا يطرق أبواب غزة.

عبد الرحمن، شاب في الثلاثين من عمره، يقول إن عائلته المكونة من سبعة أفراد تقتات على ما تبقّى من معلبات، يتناولونها بالملاعق، فيما لا يحصل كل فرد منهم إلا على رغيف واحد من الخبز كل يومين، في محاولة للحفاظ على ما تبقّى من الدقيق لأطول مدة ممكنة.
يضيف عبد الرحمن: "الأسعار في السوق تجاوزت قدرتنا، بل تخطّت المنطق، لذا نحاول الاستفادة مما لدينا من طعام وتقسيمه ليكفينا لأكبر مدة ممكنة"، مشيرًا إلى أنه يشعر بالحزن تجاه أطفاله، لأنه لا يستطيع توفير كل متطلباتهم، ويشعر بالعجز أمامهم.

في مستشفى المعمداني، وتحديدًا في قسم المبيت، تقيم حنين منذ إصابتها بشظية قبل شهر، لكن الأطباء لا يقلقون من الجرح بقدر قلقهم من الضعف والهزال. تقول إحدى الممرضات: "أجساد المرضى والجرحى لا تقوى على مقاومة أي شيء. هناك أطفال يتساقط شعرهم من شدة الجوع، وأمهات يُغشى عليهن لأنهن لا يأكلن ليُطعمْن أبناءهن".

عائلات جائعة
من جانبه، أكد الخبّاز أبو أحمد في مقابلة مع صحيفة "الرسالة" أن عدد زبائنه تراجع بشكل كبير خلال الأيام الأخيرة، بعد أن كانت أعداد كبيرة تتوافد عليه خلال الأسبوعين الأولين من إغلاق المخابز.
وذكر أن العائلات التي لجأت إلى بدائل الدقيق مثل المكرونة والعدس لم تعد تملكها الآن، لذا أصبحت غالبية العائلات بلا خبز. وتكمن المفارقة المؤلمة في قوله ساخرًا: "أنا أخبز للناس الخبز بشكل يومي، لكني منذ ثلاثة أيام لم أخبز لمنزلي بسبب نفاد الدقيق والمكرونة لدي".

وأشار إلى أن المواطنين عمدوا إلى طحن العدس والحمص وحتى المكرونة لاستخدامها في صناعة الخبز، رغم أن بعضها قاسٍ وصعب الأكل، لكنها تبقى أفضل من لا شيء.
وبيّن أن أحد الزبائن جاء إليه ليخبز خمسة أرغفة فقط لعائلته المكونة من ستة أفراد، موضحًا أن تلك الأرغفة كانت آخر ما تملكه العائلة من الدقيق.

من جانبه، قال برنامج الأغذية العالمي إن العائلات في غزة تتضور جوعًا، في حين أن ما تحتاجه من غذاء لا يزال عالقًا على الحدود.
وأوضح أن أحدث تحليلات الأمن الغذائي تؤكد أن العالم في سباق مع الزمن لتجنب المجاعة، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لتوفير المساعدات لغزة، ومحذرًا من أن استمرار تعطل المساعدات إلى أن يُعلن رسميًا عن حدوث المجاعة سيكون متأخرًا جدًا، وقد فُقد الأمل حينها بالنسبة لكثير من سكان القطاع.

وفي الثاني من مارس، أغلقت (إسرائيل) معابر القطاع أمام المساعدات الإغاثية والوقود، واستأنفت سياسات الإبادة الجماعية.
ويعتمد سكان غزة، البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، بشكل شبه كامل على تلك المساعدات، بعدما حوّلتهم الإبادة الجماعية المتواصلة منذ 19 شهرًا إلى فقراء، وفق بيانات البنك الدولي.

وتأتي هذه الأزمة الإنسانية في ظل نزوح أكثر من 300 ألف مواطن من سكان شمال القطاع من منازلهم، بعضهم مرّ بهذه التجربة أكثر من مرة، حيث يعيشون اليوم في ملاجئ مكتظة، أو في العراء دون مأوى أو طعام.

في غزة، المدينة التي اعتادت مقاومة الموت كل يوم، بات الجوع اليوم يزيد من قسوة الحياة. في الأزقة التي تكسوها رائحة الركام، وفي البيوت التي فقدت جدرانها ونوافذها… لا شيء يُطهى، لا رائحة خبز، لا صوت لملاعق تصطك بالصحون، فقط صوت البطون الخاوية، وأنين الأمهات اللواتي لم يعد لديهن ما يطهونه، ولا حتى كلمات يطمئنَّ بها أطفالهن الجياع.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00