قائمة الموقع

الدكتور عبد الله مقاط: عالِمٌ قتله الاحتلال مع عائلته وكتبه وبيته

2025-05-19T15:17:00+03:00
الشيخ عبد الله مقاط
الرسالة نت- خاص

شمالًا، حيث آليات الاحتلال تحرق الأبواب وتفتك بالأرواح كل دقيقة منذ ثلاثة أيام، كانت عائلة مقاط تعيش في غزة، تحمل همّ الحياة وصمودها. وسطهم كان الدكتور عبد الله مقاط، رجل العلم وصنيع الخير، الذي كرس حياته لخدمة الناس ونشر العلم. حتى اللحظة الأخيرة قبل أن تأتي الطائرات الغادرة، كان عبد الله مثالًا للكرم والبذل، إلى أن دمرت طائرات الاحتلال حياته بالكامل: استشهد هو ووالده وإخوته وزوجته وبناته، وقبلها حرقت الطائرات بيته ومكتبته التي احتضنت آلاف الكتب، واحترق قلبه معها.
كل قطعة من حياته وجمادات بيته نالت شرف الشهادة، وكتبت اسمًا جديدًا في سجل التضحية.

ولد الدكتور عبد الله مقاط في أسرة عرفت بالخير والإيمان، حيث نشأ على حب العلم والعمل الصالح. كان واحدًا من أبرز خريجي الجامعة الإسلامية في غزة، حيث تفوق في دراساته حتى حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه. تخصص في علوم الحديث، وأصبح معلمًا في قسم الحديث بالجامعة الإسلامية، حيث كان يلقي محاضراته بروح العالم المُخلص، محبًا لنقل العلم والمعرفة إلى طلابه.

لم يكن الدكتور عبد الله مجرد أستاذ جامعي، بل كان نموذجًا يُحتذى به في السخاء والبذل. عرفه أهالي منطقته بكرمه الواسع، إذ لم يمر يوم من أيام الحرب إلا وكان يطبخ ويساعد المحتاجين أو يمد يد العون للجيران. كانت حياته عنوانًا للعطاء، سواء بالكلمة أو الفعل، تمتد للمارة وتقرع أبواب الصامتين على جوع قهر كرامة المدينة الحزينة.

بيته كان أكثر من مجرد مسكن؛ كان موئلًا للعلم وملاذًا لطلاب المعرفة. جمع مكتبته، التي أسماها "منارة العلم الشرعي"، بجهد وعناء منذ عام 2001، كتابًا كتابًا، حتى وصلت إلى أكثر من خمسة آلاف كتاب. احتضنت المكتبة سنوات من العمل والبحث العلمي، وفتحت أبوابها دائمًا لكل طالب علم.

ولكن في ليلة مظلمة قبل أسابيع، جاءت طائرات الاحتلال التي عاثت قتلًا في سماء غزة منذ أكثر من عام، وقصفت منزل الشيخ عبد الله. في لحظة واحدة، تحولت المكتبة إلى رماد، وتحولت أحلامه إلى حكايات تُروى.
ثم عادت الطائرات اليوم لتقصف منزل العائلة حيث يسكن. استشهد عبد الله ومعه والده الحاج أبو عبد الله، والدته، زوجته، أطفاله الصغار، وأخوته وعائلاتهم الذين كانوا يحتمون بجدران البيت، وكأن موتًا واحدًا لا يكفي هذا المحتل ليشبع نهمه للدماء!

قبل استشهاده بأيام، كتب الدكتور عبد الله كلمات تفيض بالإيمان وكأنها وصية مودّع: "بعد أيام لن تنفعكم أموالكم... وعند الله الملتقى." كانت كلماته تنبئ عن شعور داخلي بقرب الرحيل، وكأن قلبه كان يودع الحياة التي أحبها بكل تفاصيلها.

ارتقى عبد الله، لكنه ترك إرثًا عظيمًا من العلم والعمل الصالح. ذكراه ستبقى حية في قلوب طلابه ومحبيه، وستظل مكتبته المحترقة رمزًا للعلم الذي لن ينطفئ مهما اشتدت يد الظلم.

اخبار ذات صلة