كانت حياة هناء غباين، أمًّا لخمسة أطفال، تبدو كأي حياةٍ عائلية في قطاع غزة، مليئة بالتحديات والأمل. لكن ذلك تغيّر جذريًا عندما اضطُرت للسفر إلى الضفة الغربية قبل اندلاع العدوان على غزة بخمسة أشهر، لعلاج طفلها المريض بالسرطان.
ما لم تكن تعرفه هناء، هو أن هذا السفر سيفصلها عن بقية أطفالها إلى الأبد، ليصبح بداية فصل من الألم والحرمان.
مع اندلاع الحرب، وجدت هناء نفسها محتجزة في الضفة، ممنوعة من العودة إلى غزة، ومُنع أطفالها من السفر إليها. تركت وراءها أربعة أطفال، وأمّها، وإخوتها في منزل عائلتها في القطاع المحاصر، حيث كانوا يحاولون النجاة من القصف العشوائي.
في ليلةٍ مأساوية، قصفت الطائرات (الإسرائيلية) منزل عائلتها، فاستُشهدت أمّها وإخوتها، واثنان من أطفالها، بينما أُصيبت ابنتها غيداء إصابة خطيرة. لم يتبقَّ من أطفالها سوى اثنين، يكافحان الآن معًا في أحد مستشفيات القطاع، الذي يفتقر إلى الغذاء والدواء، ومحاصر ومهدَّد بالقصف في أي لحظة.
في الضفة الغربية، تجلس هناء وحيدة، محطَّمة القلب، تترقّب الأخبار بدموع لا تتوقّف. تتخيّل أطفالها في مستشفى محاصر، تائهين دون والدهم الذي استُشهد في العدوان، ودون حضن أمّهم التي فرّقتها الحدود والحصار.
"أريد فقط أن أحتضن أطفالي الباقين"، تقول هناء بصوت متهدّج. "لقد فقدت الكثير: أمي، إخوتي، اثنين من أطفالي، وزوجي. والآن، أخشى أن أفقد ما تبقّى من عائلتي".
توجّهت هناء بندائها إلى الصليب الأحمر والمؤسسات الإنسانية، متوسّلة أن يساعدوها في لمّ شملها بطفليها الباقيين وإنقاذهما من جحيم الحرب. فابنتها غيداء بحاجة ماسّة إلى علاج لإصابتها الخطيرة، والطفلان يعانيان من الجوع والخوف وانعدام أدنى مقومات الحياة.
تعيش هناء بين كابوسين: أحدهما في ذاكرتها عن الأحبّة الذين فقدتهم، والآخر في حاضرها عن أطفالها الذين قد يضيعون في أي لحظة. في كلّ ليلة، تمسك بهاتفها، وتصلي أن يحمل لها الغدُ خبرًا عن أطفالها، عن فرصة أخيرة للّقاء، عن بصيص أمل يضيء وسط الظلام.
هناء غباين ليست وحدها، بل هي نموذج لأم فلسطينية تعاني ويلات الحرب، وشهادة حيّة على المعاناة الإنسانية التي ينبغي للضمير العالمي ألّا يغضّ الطرف عنها.
فهذه المأساة ليست حالة فردية، بل جزء من صورة أوسع لمعاناة أطفال فلسطين، الذين أصبحوا الضحايا الرئيسيين لهذا العدوان المستمر؛ حيث تشير إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن الأطفال يشكّلون ثلث الشهداء والجرحى منذ بداية العدوان على قطاع غزة، إذ استُشهد أكثر من 16,500 طفل، أي ما نسبته أكثر من 30% من إجمالي الشهداء، فيما بلغ عدد الأطفال الجرحى 33,900 طفل، بنسبة 30% من إجمالي الجرحى.
وبحسب "اليونيسف"، فإن 30 طفلًا يرتقون يوميًا في القطاع منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر، وهناك أطفال مصابون فقدوا أطرافهم أو عائلاتهم أو أحد والديهم، ومرضى ينتظرون التحويل للعلاج في الخارج، أو فقدوا حقهم في الدواء في ظلّ نقص الأدوية وانهيار المنظومة الصحية.
هؤلاء جميعًا ينتظرون أن ينظر العالم إلى غزة بعين الرحمة، ليعيد الأطفال إلى أمهاتهم، ويمنح كلّ واحدٍ منهم حقّه الطبيعي في الحياة والعلاج.