في ليلةٍ حالكة، لا تزال جباليا البلد تُشيّع أحلام أبنائها الواحد تلو الآخر. بعد أن استهدف الاحتلال الإسرائيلي منزلًا مأهولًا لعائلة دردونة في أول شارع الجرن، أضحى كل شيء دمارًا، وكأن الأرض ابتلعت أحبتها دون أن تترك أثرًا للحياة.
منذ اللحظة الأولى للقصف الغادر، وبين الركام الذي كان يومًا بيتًا يضج بالأصوات والحياة، بدأت جهود الإنقاذ وسط صرخات العالقين التي مزجت الألم بالعجز. 50 فردًا كانوا في المنزل، أطفال ونساء وشيوخ، والآن يُبحث عنهم بين الحجارة المتناثرة والجدران المتكسرة.
بالأمس، انتُشل عشرة شهداء، أشلاء متناثرة كأنها تروي قصة الموت الذي حلّ فجأة. واليوم، أربعة آخرون، بينهم ياسر سعيد دردونة، الستيني الذي كان يُعرف بحكمته وصبره، وزوجته هدى، التي كانت تُضمد جراح الحياة بابتسامتها. مصعب، الشاب الذي كان يحلم ببيت صغير وأمان، وحمدي، الذي لم يكمل بعد مشواره في الحياة.
الوجع كبير، والإمكانات أقل من أن تحمل هذا العبء الثقيل. المنقذون بأدواتهم البسيطة يسابقون الزمن لانتشال ما تبقى من أرواح أو جثامين. لكن الدمار كان أسرع، والجريمة أكبر من أن تحتملها قلوبهم أو قلوب ذويهم.
رائحة الموت تفوح من تحت الركام، وكأن جباليا تروي للعالم كيف تُقتل العائلات وتُمحى الأسماء من السجلات. لكن ذاكرة الأرض والسماء لا تنسى، وستظل دماء دردونة شاهدةً على الجريمة التي ارتكبها الاحتلال بحق الإنسانية.
تصعيد همجي شمال غزة
يتزامن هذا القصف مع تجدد الاجتياح الإسرائيلي شمال قطاع غزة، حيث صعّد الاحتلال من استهدافاته المكثفة للمدنيين والبنية التحتية. تواصل قوات الاحتلال حصارها الخانق على القطاع، لليوم الـ592 على التوالي، مانعة دخول المعدات الطبية والمساعدات الإنسانية التي قد تُحدث فارقًا في إنقاذ الأرواح.
غارات متواصلة لا تهدأ، واجتياح بري مستمر يُدمّر الأحياء ويقتلع العائلات من جذورها. يهدف الاحتلال إلى تشريد المدنيين وفرض مزيد من المعاناة على سكان القطاع، الذين يقاومون بأبسط الإمكانات للحفاظ على حياتهم وكرامتهم.
صمت عالمي مخزٍ
وسط هذا المشهد الدامي، يستمر صمت العالم المخزي على جرائم الاحتلال المتصاعدة. لا مؤتمرات دولية عاجلة، ولا تحركات سياسية لوقف شلال الدماء. قطاع غزة، بما يحمله من ألم وصمود، يواجه وحده حرب إبادة تُنفذ أمام مرأى العالم، الذي اكتفى بالمشاهدة دون تدخل.
رائحة الموت تفوح من جباليا، لكن ذاكرة الأحياء والأرض لا تُمحى. دماء عائلة دردونة ستظل شاهدة على الجريمة، ورسالة أبدية بأن غزة لا تنحني، وأن الاحتلال مهما أمعن في قسوته، فإن الحياة ستنهض من بين الركام.