في واحدة من أبشع صور الإبادة الجماعية التي يشهدها التاريخ المعاصر، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، مستهدفًا بشكل ممنهج العائلات الفلسطينية، ليس فقط بالقصف والتدمير، بل بإزالتها من السجل المدني، وكأنها لم تكن يومًا على قيد الحياة.
منذ بداية الحرب، وثّقت مصادر رسمية وحقوقية اختفاء مئات العائلات الفلسطينية من السجلات المدنية بعد إبادة أفرادها بالكامل جراء القصف العنيف الذي يستهدف المنازل السكنية دون سابق إنذار. لم يتبقَّ من بعض هذه العائلات سوى اسمٍ في ذاكرة الجيران، أو صورةٍ باهتة على جدارٍ مهدّم.
**جرائم يومية
ليلة أمس، فُجعت طبيبة الأطفال الفلسطينية آلاء النجار بوصول جثامين تسعة من أطفالها إلى مجمع ناصر الطبي، بعد أن قضوا حرقًا إثر غارة جوية إسرائيلية على منزلها في منطقة قيزان النجار جنوبي مدينة خان يونس.
وقالت فرق الدفاع المدني إن القصف أدى إلى تدمير منزل العائلة بالكامل واندلاع حريق هائل، في حين تمكّنت طواقم الدفاع المدني من انتشال جثامين تسعة شهداء، بينهم ثمانية أطفال متفحمين بالكامل، بينما أُصيب زوجها، الطبيب حمدي النجار، بجروح خطرة.
وقبل مجزرة عائلة النجار بيوم واحد فقط، استهدف الاحتلال مبنى مكوّنًا من عدة طوابق يعود لعائلة دردونة في مدينة جباليا، ليرتكب مجزرة جديدة، حيث أكد المكتب الإعلامي الحكومي تسجيل أكثر من خمسين شهيدًا ومفقودًا خلال الاستهداف.
وفي سلسلة من الجرائم التي لا تتوقف، لا تزال مئات العائلات مفقودة تحت الأنقاض، حيث تُعيق كثافة القصف المستمر وضعف الإمكانيات عمليات البحث والإنقاذ.
عشرات الأحياء السكنية أُبيدت بالكامل، وتحولت إلى أطلال من الخرسانة المتهالكة، بما فيها من أسر، ولم يبقَ من ذلك الاسم في سجل الحياة سوى سطور في تقارير حقوقية أو نقش على شاهد قبر.
في أزقة مخيم الشاطئ، تحكي "أم أحمد" بصوت مبحوح عن جيرانها الذين اختفوا بعد ضربة جوية استهدفت منزلهم المكوّن من طابقين:
"كانوا عائلة من 11 فردًا، ولم يُعثر على أحد منهم... لا جثث، لا ناجين، فقط ركام... وكأنهم لم يكونوا يومًا."
ويتجاهل العالم بأسره أن وراء كل اسم شُطب من السجل المدني، كانت هناك حياة: طفل يحلم، وأمّ تدعو، وأب يكدّ، وجدة تروي الحكايات.
***بلا عقاب
مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الدكتور إسماعيل الثوابتة، أكد أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب أكثر من 12 ألف مجزرة ضد الشعب الفلسطيني، وأن نحو 2200 عائلة قد مُحيت بالكامل من السجل المدني الفلسطيني منذ بداية العدوان على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وذكر أن مصطلح "العائلات التي مُسحت من السجل المدني" يعكس حقيقة قاسية تتمثل في استهداف عائلات بأكملها بالقصف الإسرائيلي، حيث لا ينجو منها أي فرد، مؤكدًا أن "هذه الجريمة تمثل انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جريمة إبادة جماعية ممنهجة تهدد النسيج الاجتماعي والهوية الفلسطينية".
منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت هذه الانتهاكات بأنها "استهداف ممنهج لمدنيين لا ذنب لهم سوى أنهم فلسطينيون يعيشون في غزة"، بينما لا تزال الأمم المتحدة تكتفي بالإعراب عن "القلق العميق" دون اتخاذ خطوات ملموسة لوقف هذه المجازر المستمرة.
بدوره، أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تصاعد وتيرة القتل الجماعي وإبادة العائلات ضمن الهجوم العسكري الإسرائيلي المتواصل ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وسط تفشي المجاعة، في إطار جريمة الإبادة الجماعية الممنهجة التي تنفذها إسرائيل منذ أكثر من 18 شهرًا.
ورصد باحثو المركز تكثيف قوات الاحتلال تنفيذ إبادة منهجية للعائلات الفلسطينية عبر قصف المنازل والخيام ومراكز الإيواء التي تأويهم ليلًا ونهارًا، دون سابق إنذار، أو باستخدام أسلحة متفجرة عالية التدمير، ما أدى إلى محو المزيد من العائلات من السجل المدني بالكامل.
وأكد المركز أن كثافة الهجوم العسكري الإسرائيلي، إلى جانب التجويع، يدل على أن ما يجري في قطاع غزة ليس مجرد عدوان عسكري، بل سياسة إسرائيلية ممنهجة ترمي إلى تدمير جماعي لشعب بأكمله، عبر القتل والتجويع والتهجير ومنع سبل الحياة، وهو ما يمثل جوهر جريمة الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل منذ أكثر من 18 شهرًا، بدعم أميركي علني، وتواطؤ من العديد من الدول الأوروبية، وصمتٍ عالمي.
وشدّد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان على أن السكوت عن هذه الجرائم هو تواطؤ صريح في تنفيذها، مؤكدًا أن على المجتمع الدولي أن يقف أمام مسؤولياته، ليس فقط تجاه القانون، بل تجاه الإنسانية ذاتها. وهو ما يتطلب تدخّلًا دوليًا عاجلًا يضع حدًا للجرائم والانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني.
ما يجري في غزة ليس فقط عدوانًا عسكريًا، بل إبادة جماعية تستهدف الفلسطيني جسدًا ووجودًا وهوية. كل اسم يُشطب من السجل المدني هو قصة كاملة تم محوها عنوة من ذاكرة الإنسانية