في حي الدرج شرق مدينة غزة، لم يكن فجر الاثنين سوى إعلان موت جماعي جديد. صواريخ الاحتلال مزّقت جدران مدرسة "فهمي الجرجاوي"، التي احتمت فيها عشرات العائلات الهاربة من جحيم الحرب، فتحوّلت المدرسة إلى فرن مشتعل، والصفوف إلى مقابر.
احترق الرجال والنساء والأطفال في المدرسة التي كانوا يأوون إليها فجر اليوم، هل شاهدتم الطفلة التي تسير وسط النيران لتبحث عن مخرج تاركة خلفها أهلها وقد قضوا احتراقًا!
في مستشفى المعمداني، تكدّست الجثامين. لا مكان ولا وقت للبكاء، فقط صدمة تخرس الأمهات، وأكفان صغيرة على الأرض. ثلاثون شهيداً على الأقل، كثير منهم أشلاء بلا ملامح. بعض الأجساد تفحّمت بالكامل، وأخرى لا تزال تبحث عن اسم بين دفاتر الهوية المفقودة.
أمهات الشهداء يتكئن على جدران المستشفى، وأصواتهنّ محترقة من شدة النحيب. لم يتعرفن على أبنائهن إلا من بقايا ملابسهم. "هربنا من بيوتنا، ونمنا في المدرسة على الأرض… لا سلاح ولا مقاومة، فقط أطفال نائمون. لكن الصاروخ دخل الفصل وأحرق كل شيء".
في أحد الممرات، حمل المسعفون طفلة أُخرجت من تحت الركام، وجهها محترق، وذراعاها ملتويتان من اللهب. كانت تحاول النجاة وسط الحريق وهي تصرخ: "ساعدوني".
يقول أحد المسعفين: "كانت النار تحاصرهم من كل الجهات، ولم نتمكن من الوصول إليهم في الوقت المناسب… كثيرون احترقوا وهم أحياء".
مجزرة بلا إنذار
مجزرة الجرجاوي لم تكن ضربة عسكرية، بل إبادة نازحين نيام. مدرسة أُممية تحوّلت إلى محرقة. عائلات بكاملها دُفنت تحت اللهب.
يقول مدير الإسعاف فارس عفانة: "وصلتنا جثث متفحمة بالكامل… بعضها بلا ملامح، وبعض الأطفال لا يمكن التعرف عليهم إلا من ثيابهم".
واضاف :" الشهداء تفحّموا داخل المدرسة. بعضهم لم يُعرف حتى الآن. "كانوا نائمين… لم يصرخوا، لم يحاولوا الهرب… كانت الضربة نارية، وحارقة، وقاتلة".
العالم بلا صوت
أمام مستشفى المعمداني، تغص الساحة بالجنازات. يعلو صوت "الله أكبر" على النعوش، بينما العالم يواصل مشاهدة المجازر بصمت بارد. لا تدخل، لا حماية، لا مساءلة. فقط صمت يغلف الجريمة ويمنح القتلة الضوء الأخضر لقتل المزيد.
في غزة، لا تنتهي الجنازات
في هذا الصباح، لم تفتح أبواب الحياة، بل فُتحت أبواب القبور. والأمهات في ممرات المستشفى ما زلن يبحثن بين الجثث عن بقايا ضحكة، أو خاتم صغير، أو خيط أمل بأن أحد الأبناء ما زال على قيد الحياة… أو على الأقل، يستحق وداعًا يليق به.