قائمة الموقع

خزاعة مجددًا تحت النار: بلدة الحياة تُهدم مرة أخرى

2025-05-28T16:17:00+03:00
قرية خزاعة – فلسطين التي تأبى الاندثار
بقلم: المهندس يامن قديح – فلسطين

لم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة – على ما يبدو – التي تتعرض فيها بلدة خزاعة للتدمير الكامل على يد آلة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن الجديد هذه المرة، أن العدوان لم يُبقِ حجرًا على حجر، وكأنهم أرادوا أن يُعيدوا كتابة كذبتهم الكبرى: "قرية عربية لم يعد لها وجود".

لكنهم يجهلون أن خزاعة ليست طوبًا وحجارة، بل تاريخًا، وذاكرة، وجذورًا ضاربة في الأرض، وأرواحًا لا تُكسر، وحقًا لا يُنسى.

لقد استيقظنا مجددًا على مشاهد الركام، على صرخات الأطفال، ودموع الأمهات، وعلى البيوت التي كانت تزهر حبًا وعائلة، تحولت إلى رماد وسواد. وكأن سبعة عقود من الألم لم تكن كافية، وكأن الاحتلال يريد أن يؤكد لنا كل يوم أن عداءه ليس فقط للبشر، بل للحياة نفسها.

في عام 1948 كتب الضابط الإسرائيلي والروائي "يزهار سميلانسكي" روايته خربة خزعة، وأراد من خلالها أن يصور قرية فلسطينية محيت من الوجود، واعتبر أن الاحتلال قد أدى مهمته على أكمل وجه.
لكن خزاعة خيّبت ظنّه، ونهضت من تحت الركام. بنيناها من جديد، سكنّاها، تعلمنا فيها، زرعناها، أنجبنا فيها أحلامًا وأطفالًا.

واليوم، يعود الاحتلال ليمحوها مجددًا.
ليس لأن فيها خطرًا عسكريًا، بل لأنها رمز.
لأنها تفضح زيف الرواية الصهيونية، وتقول للعالم إن القرى الفلسطينية لا تموت، بل تُبعث من جديد.

إن ما يحدث في خزاعة ليس استهدافًا لمكان، بل لفكرة.
استهداف للحق في البقاء، للحق في الحياة بكرامة، للحق في الوجود الفلسطيني الحر.
وما يحاول الاحتلال طمسه بالقصف، نحفره نحن في الذاكرة، في السطور، في الأشجار التي ستنبت مجددًا على ركام المنازل، وفي الوجوه التي ستبتسم رغم الجراح.

خزاعة لم تمت. هي اليوم تنزف، نعم، لكنها حية، كما كانت دومًا. وستنهض من جديد، ببيوتها، وبناسها، وبمدرستها، وبركتها، وبشجرة الجميز التي شهدت على كل هذا الألم – وستظل شاهدة على قيامة هذه البلدة، مرة تلو أخرى.

إن العدوان لا يصنع مستقبلًا، والقصف لا يخلق وطنًا، والاحتلال لا يُعطي شرعية. من يجب أن يزول هو الجلاد، لا الضحية. خزاعة ستبقى، وستُبنى من جديد كما بُنيت بعد نكبة 1948، وبعد كل حرب، وستبقى شاهدًا حيًا على أن فلسطين لا تُمحى، بل تتجدد في كل جيل.

إلى كل من يقرأ هذه الكلمات، تذكروا: ما زالت هناك بلدة فلسطينية تُسمى خزاعة. قد تُدمر فيزيائيًا، لكن لا يمكن لأحد أن ينتزعها من الذاكرة، ولا من التاريخ.

اخبار ذات صلة