يتسع الخناق الدولي على الاحتلال (الإسرائيلي) في ظل جرائمه المتواصلة ضد قطاع غزة، وتتوالى المؤشرات على تحولات متسارعة في الرأي العام العالمي، سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب أو المؤسسات الحقوقية والثقافية.
مواقف رسمية
في تطور سياسي لافت، جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعمه لحل الدولتين، مؤكدًا أن "لا سبيل للسلام دون قيام دولة فلسطينية مستقلة"، في خطاب عُدَّ تصويبًا للموقف الفرنسي وسط انتقادات شعبية وحزبية واسعة لسياسة باريس المترددة تجاه العدوان.
كما لوّح ماكرون ، بتشديد موقف بلاده حيال (إسرائيل) إذا لم تخفف من حصارها الخانق على قطاع غزة، في موقف أثار غضب تل أبيب التي سارعت إلى اتهامه بخوض "حملة صليبية" ضدها.
هذا التصعيد الكلامي يعكس تصاعد التوتر بين الحلفاء الغربيين التقليديين للاحتلال، ويشير إلى حجم القلق داخل غرف القرار الأوروبي من الانعكاسات الأخلاقية والسياسية لاستمرار المجازر.
ورغم أن هذه التصريحات لا ترقى إلى مستوى إدانة صريحة لما ترتكبه (إسرائيل) من جرائم حرب، فإنها تعكس حرجًا متصاعدًا في العواصم الغربية، التي تجد نفسها محاصرة بضغط شعبي متنامٍ، وتكشف عن تراجع تدريجي للهامش الذي كانت تتحرك فيه تلك الأنظمة دون مساءلة.
وفي تحرك قانوني متقدم، صادق البرلمان الإيرلندي على قانون يحظر استيراد منتجات المستوطنات (الإسرائيلية)، في خطوة تُعدُّ الأولى من نوعها في أوروبا، وتعكس التقاءً نادرًا بين المبادئ القانونية والتوجهات السياسية الرسمية.
هذه الخطوة لا تعني فقط رفضًا للمستوطنات باعتبارها غير شرعية، بل تؤسس لأرضية قانونية يمكن أن تُبنى عليها سياسات مشابهة في دول أوروبية أخرى، خاصة في ظل اتساع رقعة التضامن الشعبي وارتفاع الأصوات المطالبة بمحاسبة الاحتلال.
الشارع يعلو على الحكومات
الشارع الأوروبي لم يبق صامتًا ؛ مظاهرات ليون الفرنسية ونيويورك الأمريكية، وغيرها في عشرات المدن، تكشف أن السردية (الإسرائيلية) لم تعد مقنعة للجماهير، وأن استخدام “الهولوكوست السياسي” لحماية (إسرائيل) من النقد لم يعد كافيًا لوقف موجات الغضب.
هذه الموجات ليست عاطفية فحسب، بل تعبر عن وعي سياسي متقدم، يرى في العدوان (الإسرائيلي) مشروع إبادة منظّم، لا يمكن تبريره بمقولات “الحق في الدفاع عن النفس”، التي باتت مفرغة من أي مضمون أخلاقي.
المقاطعة
انضمام إيطاليا لحملات المقاطعة، خصوصًا على المستوى الطلابي والنقابي، يمثل مؤشرًا على تحوّل BDS من حركة هامشية إلى تيار ذي أثر متزايد في صياغة الرأي العام والسياسات التعليمية والاقتصادية.
تنامي هذه الحملات يطرح سؤالًا استراتيجيًا على الاحتلال: كيف يمكن لدولة تدّعي أنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" أن تواجه هذا المدّ من الرفض الأخلاقي حول العالم، دون أن تراجع جذور سياساتها القائمة على الفصل العنصري؟
الجبهة الحقوقية: توثيق وفضح
في تطور آخر، قدمت منظمة "مراسلون بلا حدود" طلبًا رسميًا للمحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق عاجل في استهداف الصحفيين الفلسطينيين، مشيرة إلى وجود نمط منهجي في عمليات القتل، وهو ما يعزز فرضية “الاستهداف العمد”.
هذا التحرك الحقوقي لا يحمل فقط طابعًا قانونيًا، بل يعكس تصميمًا على فضح الانتهاكات، ويضع وسائل الإعلام الدولية أمام مسؤولية مهنية وأخلاقية لم تعد تحتمل الصمت أو التبرير.
الكلمة تُحاصر الكاميرا
من اللافت أن جبهة المثقفين باتت أكثر جرأة ووضوحًا. توقيع 380 كاتبًا دوليًا على وثيقة تضامن مع غزة، ونشرها في صحيفة “الغارديان”، يعكس انقلابًا في المزاج الثقافي الغربي، ورفضًا لمحاولات تكميم الأفواه بذريعة "معاداة السامية".
في هذا السياق، تصبح الكلمة شكلًا من أشكال المقاومة، ووسيلة لملاحقة الأكاذيب التي روّجتها آلة الدعاية الصهيونية لعقود طويلة، باسم "الحداثة" و"الديمقراطية".
إفريقيا تخرج عن صمتها
أما طرد السفير (الإسرائيلي) من جامعة داكار بعد احتجاج طلابي، فيحمل رمزية قوية. فالقارة الإفريقية، التي سعت (إسرائيل) لاختراقها اقتصاديًا ودبلوماسيًا، بدأت تشهد بوادر تململ من العلاقات مع تل أبيب، خصوصًا مع تصاعد الوعي الشبابي وتأثير وسائل التواصل.
هذا الحادث، رغم رمزيته، يشير إلى أن الاحتلال لم يعد يحظى بالحصانة الدبلوماسية التي اعتاد عليها، وأن محاولات تطبيع العلاقات مع دول الجنوب العالمي تصطدم بإرث استعماري يربط بين ما تعيشه فلسطين وما عرفته شعوب الجنوب من قهر.
التحركات السياسية، التشريعية، الشعبية، الحقوقية، والثقافية المتصاعدة ترسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقة بين العالم والاحتلال (الإسرائيلي).
فلم يعد الصراع محصورًا في الجغرافيا الفلسطينية، بل تحول إلى قضية ضمير عالمي. العزلة التي تتسع يومًا بعد يوم تنذر بأن (إسرائيل)، رغم قوتها العسكرية، تخسر الحرب على الجبهة الأهم: جبهة الشرعية الأخلاقية.