في حدث خطير، يؤكد هشاشة الآلة العسكرية الإسرائيلية رغم ترسانتها الضخمة، شهد مخيم جباليا شمالي قطاع غزة واحدة من أبرز العمليات النوعية التي أظهرت قدرة المقاومة الفلسطينية على شلّ حركة الاحتلال وإيقاع خسائر مباشرة بين صفوف جنوده، في كمين محكم أسفر عن مقتل ثلاثة جنود من لواء غفعاتي، وإصابة اثنين آخرين، وسط عجز تام عن تنفيذ عملية إخلاء سريعة وآمنة.
الحادث لم يكن مجرد انفجار عبوة ناسفة، بل جزء من كمين تكتيكي مدروس تم تنفيذه في قلب المسار العسكري الإسرائيلي شمالي القطاع، ضمن منطقة عمليات متقدمة. يكمن ثقل الحدث في أمرين أساسيين:
1. الفشل الاستخباراتي والفني: فشل جيش الاحتلال في اكتشاف وتفكيك حقل ألغام كبير، مؤلف من نحو 20 عبوة ناسفة، تم زرعها بدقة واحتراف على مسار متوقّع للقوات.
2. شلل ميداني في صفوف الاحتلال: القوات لم تتمكن من إخلاء القتلى والجرحى إلا بعد ساعات، ما استدعى تدخل سلاح الجو والطائرات دون طيار وحتى وحدة الإخلاء الجوي الخاصة (669)، الأمر الذي يعكس حجم المأزق الذي وقعت فيه القوة.
الكمين: تقنية وتخطيط واستنزاف
تفاصيل العملية، كما أقرّ بها جيش الاحتلال، تشير إلى أن القافلة العسكرية المرافقة لسيارة إطفاء كانت عائدة بعد مهمة إخماد حريق اندلع في ناقلة جند من نوع "نمر". على الطريق، تم تفجير عبوة ناسفة تحت مركبة "هامر" مكشوفة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود من كتيبة "روتم" التابعة لغفعاتي: الرقيب أول لئور شتاينبرغ، الرقيب أول أوفيك برهنا، الرقيب أول عومر فان غيلدر.
التفجير لم يكن عشوائيًا بل ضمن حقل ألغام متكامل، يُرجح أن المقاومة خططت لتفجير العبوات دفعة واحدة، في عملية تهدف إلى الإيقاع بأكبر عدد ممكن من القوات، إلا أن خللاً ما تسبب في انفجار عبوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإحداث خسائر بشرية مباشرة.
منذ بداية الحرب، كرر جيش الاحتلال أخطاءه في التقدير الميداني، وتبيّن أن ما يوصف بـ"تفوق استخباراتي" إسرائيلي ليس سوى وهم حين يتعلق الأمر بالتعامل مع مقاتلين ميدانيين يمتلكون خبرة تكتيكية فريدة.
عجز الاحتلال عن إخلاء القتلى والجرحى بسرعة، رغم كل الوسائل الجوية المتاحة، يعكس حجم التورط والانكشاف الأمني على الأرض، خاصة في ظل امتلاك المقاومة لعنصر المفاجأة والسيطرة على نقاط الاشتباك.
كما أن استمرار مجرم الحرب نتنياهو في الزجّ بقوات النخبة إلى قلب غزة رغم استنزافها وافتقادها للدعم الشعبي والسياسي الدولي، يكشف كيف تحوّلت الجبهة إلى وسيلة يخوض بها رئيس حكومة العدو معركته للبقاء في الحكم، ولو على جثث جنوده.
الرسالة الأبرز: لا أسرى بدون وقف العدوان
تأتي هذه العملية في وقت حساس تحاول فيه (إسرائيل) استعادة جنودها الأسرى بالقوة، وهو ما باتت المقاومة تحسمه مرة تلو الأخرى: لن يعود أي أسير إسرائيلي دون مفاوضات شاملة ووقف إطلاق نار حقيقي.
هذا ما أثبتته الميدان، فمع كل محاولة توغل واستنزاف، ترد المقاومة بكمائن محكمة وخسائر موجعة، ما يعيد المعادلة إلى النقطة الأولى: لا يمكن الحديث عن استرجاع جنود أو تحقيق إنجاز دون وقف العدوان وبدء تسوية تُحترم فيها مطالب الشعب الفلسطيني.
في المحصلة، عملية جباليا شكلت صفعة استراتيجية لجيش الاحتلال، والمقاومة أثبتت أنها ما زالت تملك المبادرة والتكتيك رغم ظروف الحرب القاسية.الاحتلال فشل في تحقيق اختراق ميداني يغير من موازين المعركة، ومع كل خسارة، يزداد الضغط على نتنياهو داخليًا، حيث تتعمّق أزمة الثقة بين القيادة السياسية والجيش.
وإذا استمر هذا النمط من العمليات النوعية، فإن السؤال لا يعود متى ستنتهي الحرب، بل: كم من الوقت يمكن أن يحتمل جيش الاحتلال حربًا تخسر فيها النخبة دون مكاسب سياسية أو ميدانية؟