في تطور صادم وغير مسبوق، فجّر المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، قنبلة سياسية من العيار الثقيل، باعترافه الصريح بأن "إسرائيل ارتكبت دون شك جرائم حرب في غزة"، وذلك في تصريح لقناة "سكاي نيوز" البريطانية.
هذا الاعتراف العلني، من مسؤول شغل منصباً رفيعاً في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، فتح أبواب الانتقادات الواسعة ضد السياسة الأمريكية تجاه الحرب الدامية في قطاع غزة، التي أسفرت عن استشهاد عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية، وسط اتهامات موثقة بانتهاك قوانين الحرب والإنسانية.
الرواية الرسمية مقابل الحقيقة المغيّبة
أكد ميلر أن المنصة الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية لم تكن تسمح له بقول الحقيقة، بل فرضت عليه الالتزام التام بالرواية الرسمية للحكومة، في مشهد يعكس حجم التواطؤ والتضليل الذي مارسته واشنطن، ليس فقط أمام شعبها، بل أمام المجتمع الدولي بأسره.
تصريحه يأتي بمثابة صفعة علنية لساسة واشنطن، الذين ظلوا على مدى أشهر يدافعون بلا هوادة عن ممارسات الاحتلال، بل ويبررون القتل الجماعي والتجويع والحصار باعتبارات "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس".
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سارعت إلى إصدار بيان، اعتبرت فيه أن "اعتراف ميلر يشكّل إدانة متأخرة، لكنه يُحمّل إدارة بايدن المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة في الشراكة بجرائم الإبادة التي ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين في غزة".
وأضافت الجبهة أن "ما قاله ميلر اليوم، يتناقض تمامًا مع مواقفه حين كان متحدثًا رسميًا، ما يؤكد حجم الكذب والتضليل الذي مارسته واشنطن لتوفير الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي للاحتلال الإسرائيلي".
واعتبر البيان أن "بايدن ووزير خارجيته بلينكن مجرمو حرب يجب محاسبتهم إلى جانب قادة الاحتلال"، وأن مجرد اعتراف ميلر لا يسقط عنه المسؤولية، بل يجعله شاهدًا مدانًا ضمن منظومة تواطؤ دولية.
واشنطن شريكة في الجريمة
من جهتها، رحّبت حركة حماس باعتراف ميلر، معتبرة إياه "اعترافاً مهمّاً يدين الاحتلال ويكشف تستّر الإدارات الأمريكية المتعاقبة على جرائم الحرب"، وأكدت في بيان رسمي أن هذا التصريح لا يضع الاحتلال وحده في قفص الاتهام، بل يضع واشنطن أيضاً بوصفها شريكًا مباشرًا في كل ما جرى من مجازر بحق الفلسطينيين.
وأشارت الحركة إلى أن تصريحات ميلر توضح أن واشنطن لم تكن فقط تدافع عن الاحتلال في المحافل الدولية، بل كانت جزءاً من ماكينة الحرب، عبر التمويل والتسليح، وتضليل الإعلام، وقلب الحقائق.
ودعت الأطراف الفلسطينية جميعها إلى تحرك دولي عاجل لترجمة هذه الاعترافات إلى إجراءات قانونية، بدءًا من فتح تحقيق دولي، ووصولًا إلى محاسبة قادة الاحتلال وشركائهم في إدارة بايدن كمجرمي حرب.
فضيحة ماثيو ميلر لا تكشف فقط كذب السردية الأمريكية الرسمية، بل تمثل نقطة تحوّل سياسية يمكن أن تمهّد الطريق لمساءلة قانونية دولية، طالما جرى تجاوزها بسبب الهيمنة السياسية الأمريكية.
في ظل هذا الاعتراف، تتجه الأنظار إلى المؤسسات الدولية، وإلى قدرة المجتمع الدولي على التحرّك من أجل وضع حد لسياسات الإفلات من العقاب، ومعاقبة كل من شارك في أكبر جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين.