"عربات جدعون" تُسحق تحت أقدام المقاومين في جباليا والشجاعية

غزة - خاص الرسالة نت

لا يزال جيش الاحتلال يتلقى الضربات المتتالية على يد المقاومة في غزة، فبين كمين جباليا الذي أسفر عن مقتل جنود من لواء "جفعاتي"، وكمين الشجاعية الذي أسفر عن قتلى وإصابات خطيرة، تتكشّف قدرة المقاومة على التحرك بمرونة ميدانية عالية داخل ما تُسمّى "المناطق المؤمّنة".

كمائن المقاومة وعلى رأسها كتائب القسام الذراع العسكرية لحركة "حماس"، تكشف هشاشة الرواية "الإسرائيلية" وتُظهر أن السيطرة البرية لا تزال مجرد وهم دعائي تروج له، وذلك على الرغم من الترويج المكثف لعملية "عربات جدعون" التي اصطدمت بضربات المقاومة النوعية.

إذ تستخدم المقاومة في غزة تكتيكات عسكرية متقدمة تشمل تفخيخ المنازل والأنفاق، واستدراج نخب جيش الاحتلال إلى كمائن محكمة، ما يدلل امتلاكها بنية عسكرية قادرة على التكيّف وشن هجوم مضاد ضد جيش الاحتلال "الإسرائيلي".

 

عمليات نوعية

وأعلنت كتائب القسّام، في بيان لها أول أمس الإثنين، أن مقاتليها خاضوا اشتباكات ضارية مع جنود الاحتلال من مسافة صفر شرق مخيم جباليا، مشيرة إلى وقوع عدد من الجنود بين قتيل وجريح، وسط استمرار الاشتباكات.

واعترف جيش الاحتلال بمقتل 3 جنود برتبة رقيب أول في معارك بشمالي قطاع غزة إثر استهداف عربة عسكرية من طراز هامر كانوا يستقلونها في جباليا شمال القطاع، كما أصيب اثنان من رجال الإطفاء بجروح.

وأمس الثلاثاء، أعلنت وسائل إعلام عبرية، عن مقتل جندي "إسرائيلي" وأصيب اثنان آخران خلال اشتباكات بين المقاومة وجيش الاحتلال بحي الشجاعية شرقي مدينة غزة.

وذكرت المواقع العبرية، أن مُسيّرة لكتائب القسام ألقت قنبلة على الجنود في الشجاعية، وسط اشتباكات عنيفة مستمرة، مشيرة إلى هبوط مروحيات عسكرية في مستشفيي "إيخيلوف" في تل أبيب و"سوروكا" في بئر السبع، بعد إعلانها في وقت سابق أن طائرات عمودية في طريقها لإجلاء جنود جرحى من قطاع غزة.

وكان ضابط بجيش الاحتلال كشف عن مقتل وإصابة أكثر من 10 آلاف جندي خلال الحرب على قطاع غزة، كما أفادت وسائل إعلام عبرية، بتصاعد الانتقادات داخل الجيش بشأن طرق عمل منظومة الاحتياط.

ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت، عن قائد كتيبة في الجيش "الإسرائيلي" لم تسمه، قوله: "لدينا نقص في أكثر من 10 آلاف جندي قتلوا أو أصيبوا، وعدة آلاف آخرين يدخلون بشكل متكرر دائرة اضطراب ما بعد الصدمة".

 

فشل فرض السيطرة الميدانية!

وبينما يحاول الاحتلال ترميم صورته المهشّمة، تتولى كتائب القسام والمقاومة في غزة مهمة استنزافه على الأرض، ضاربةً بتكتيكها النوعي عمق المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية"، ومعرّيةً إخفاقاتها المتكررة رغم ما تدعيه من تفوق استخباراتي وتكنولوجي.

يرى المختص والباحث في الشأن الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة، أن كمائن المقاومة تشير إلى فشله بفرض السيطرة الميدانية، رغم مرور شهور على العدوان، حيث تُظهر المقاومة قدرة على تنفيذ كمائن نوعية خلف خطوط التمركز "الإسرائيلي" في مناطق يدّعي الاحتلال تطهيرها مثل جباليا والشجاعية.

ويشير الباحث أبو زبيدة في حديث لـ"الرسالة"، إلى أن هذه الاشتباكات التي تخوضها المقاومة في هذه الأماكن، تعكس أن ما يسمى بـ"السيطرة" "الإسرائيلية" على هذه المناطق هو وهم "ناري هش" سرعان ما يتفكك أمام ضربات المقاومة وعلى رأسها كتائب القسام.

ويعتبر أن العمل المقاوم المعقّد في بيئات حضرية كثيفة مثل الشجاعية وجباليا يثبت أن المقاومة نجحت في تهيئة الأرض كمساحة كمائن واستنزاف دائمة، وهو ما يُربك وحدات المشاة والدروع "الإسرائيلية"، ويمنعها من التحرك بحرية أو الثبات لفترة طويلة.

ويؤكد الباحث أبو زبيدة، أن العمليات الأخيرة تدل على تكامل أدوات المقاومة، من تفجير العبوات والكمائن الأرضية، إلى استخدام الطائرات المسيرة الهجومية، مع تغطية نارية محكمة، وهذا يكشف عن نضوج تكتيكي في التخطيط والكمون والضرب بدقة، رغم ظروف الحصار والعدوان.

ويلفت إلى أن تصاعد عدد القتلى والمصابين في صفوف القوات الخاصة من وحدات النخبة (جولاني، جفعاتي) يؤكد أن المقاومة تستنزف نخبة جيش الاحتلال على مدى زمني طويل، في معارك استنزاف لا تمنح الاحتلال إنجازًا حاسمًا بل نزيفًا مستمرًا.

وينوه الباحث أبو زبيدة أن عجز الاحتلال عن منع هذه الكمائن أو الرد عليها بفعالية، مع إخفاء الخسائر تحت "الرقابة العسكرية"، يعكس تآكل صورة الردع التي طالما حاول الجيش "الإسرائيلي" ترويجها، ويمنح المقاومة تفوقًا معنويًا وإعلاميًا.

ويختم المختص والباحث في الشأن الأمني والعسكري حديثه قائلًا: "عمليات جباليا والشجاعية ليست مجرد ضربات موضعية، بل تمثل عملًا نوعيًا في إدارة المقاومة للمعركة؛ من الدفاع إلى المبادرة، ومن الرد إلى التخطيط الهجومي الفاعل، في عمق انتشار العدو، وهو ما يرسّخ قاعدة.. غزة لا تُؤخذ، بل تُحرق من يحاول أن يأخذها".

 

استنزاف جيش الاحتلال

ورغم إعلان الاحتلال المتكرر عن "تفكيك البنية القتالية" للمقاومة في هذه المناطق، فإن حجم الخسائر المتكررة داخل وحدات النخبة يؤكد أن الواقع الميداني مختلف تمامًا عن الصورة الدعائية التي تسعى تل أبيب لترسيخها.

إذ يقول الباحث والمحلل السياسي، سعيد زياد: "إن الكمائن التي نفذتها المقاومة في جباليا والشجاعية، وأدت إلى مقتل عدد من جنود الاحتلال، تُعد واحدة من أبرز العمليات النوعية التي تحمل رسائل مركبة في توقيتها وطريقتها ومكان تنفيذها".

ويوضح المحلل زياد خلال فقرة التحليل العسكري عبر قناة الجزيرة الفضائية، أن المقاومة أثبتت قدرتها على استدراج قوات النخبة "الإسرائيلية" إلى مواقع معدّة مسبقًا، ما يشير إلى امتلاكها مستوى متقدمًا من الرصد الميداني والإدارة التكتيكية.

ويضيف أن الكمين "لا يُقرأ فقط كضربة ميدانية، بل كرسالة استراتيجية بأن غزة ما زالت عصية على الكسر، وأن السيطرة المعلنة "إسرائيليًا" لا وجود لها فعليًا على الأرض".

ويؤكد المحلل زياد أن هذا النوع من الكمائن التي تنفذها كتائب القسام والمقاومة في غزة، يعزز من حالة الاستنزاف داخل الجيش "الإسرائيلي"، ويُربك حساباته السياسية والعسكرية.

ويشير الباحث والمحلل السياسي، إلى أن المقاومة ترسل عبر هذه العمليات إشارة واضحة، بأنه لن تكون هناك مناطق آمنة أو خطوط تماس باردة لجيش الاحتلال حتى في المناطق التي يتوغل بها ويسيطر عليها.

ويشهد جيش الاحتلال عزوفًا من قبل جنوده عن تلبية الخدمة العسكرية والعودة للقتال في غزة، ما يشير إلى أن "إسرائيل" تدخل في أزمة ستعصف بالجيش خلال الأيام والأسابيع القادمة، خاصة في ظل الخسائر البشرية التي يتلقاها من المقاومة بغزة.