أكد إلياس الجلدة، عضو مجلس إدارة جمعية الشبان المسيحية، أن ما يجري في قطاع غزة من ممارسات تتعلق بتوزيع المساعدات الإنسانية، يُعد خطيرًا ومهينًا، ويفاقم من معاناة الفقراء والبسطاء الذين يُدفعون ثمن الحرب والحصار.
وقال الجلدة في مقابلة صحفية خاصة بـ"الرسالة نت"، إن "الناس تدفع الثمن من قوتها وكرامتها، وإن حالة المجاعة تضرب الفقراء والضعفاء دون رحمة، في ظل غياب التنسيق الفاعل والحلول الواقعية". واعتبر أن الآلية التي يجري تنفيذها حاليًا من خلال شركات أمريكية "لا تمتّ للواقع بصلة، وهي حلول فاشلة منذ بدايتها"، على حد تعبيره.
وتساءل الجلدة: "كيف لسيدة مسنّة لا تملك القدرة على السير أو لا عائل لها، أن تحصل على كرتونة غذاء تُوزع في نقطة تبعد عشرات الكيلومترات عن خيمتها؟"، مشيرًا إلى أن مشهد إذلال الناس في طوابير طويلة ومضنية للحصول على الحد الأدنى من الطعام، يمثل ذروة القسوة والانتهاك لكرامة الإنسان.
وشدّد الجلدة على ضرورة وقف سياسة التجويع، وفتح المجال للتجار لإدخال البضائع بشكل طبيعي، بحيث يتمكن الناس من شراء حاجاتهم بكرامة، بدلًا من اعتماد نظام توزيع "يحرم المقتدرين من الشراء، ويُذل الفقراء".
وأشار إلى أن الوضع الإنساني في غزة بلغ حدًا خطيرًا، حيث لم يعد الناس قادرين على تأمين "ربطة خبز أو كيس طحين"، مضيفًا أن المطلوب هو "عودة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وأن تقوم المؤسسات الدولية، وعلى رأسها وكالة الأونروا، بدورها الإنساني المتعارف عليه".
وأوضح أن الأونروا تملك من القدرات المهنية والخبرة الطويلة والطاقم الكبير – أكثر من 13 ألف موظف – ما يؤهلها للقيام بواجباتها بشكل عادل ومنظم، مشيرًا إلى أن إقصاءها من مشهد توزيع المساعدات يشكّل تجاوزًا خطيرًا ومقصودًا لأدوارها الراسخة.
ولفت بالقول: "كل أبناء شعبنا بدون تمييز يدفعون الثمن، لا أحد في مأمن من هذه الكارثة الإنسانية، وعلى الجميع أن يتحرك لإنقاذ ما تبقى من كرامة الناس في غزة".
رفض التهجير
في السياق؛ أكدّ أن المسيحيين احتموا في الكنيسة وقرروا لاحقًا الدفاع عنها خشية هجوم الاحتلال عليها، كما فعل بالمساجد.
وأكد: "قرارنا واضح، لن نغادر المكان؛ لأننا تاريخيًا نعيش فيه، ورفضنا أن نهاجره".
وبين استشهاد 23 شهيدًا وشهيدة من المسيحين في غزة بشكل مباشر نتيجة القصف والاستهداف؛ وحوالى 7 شهداء بفعل نقص الأدوية والغذاء؛ وهم يشكلون 3% من إجمالي عدد المواطنين المسيحيين بغزة.
وأشار الجلدة إلى أن سلطات الاحتلال هاجمت الكنائس مرات عدة، وكذلك المراكز التابعة لها، في محاولة للضغط على السكان للرحيل نحو الجنوب، لكن السكان تمسكوا بأرضهم وصمدوا في وجه العدوان.
وتابع: "لا توجد مؤسسة مسيحية لم تتعرض للاستهداف. فقد دُمّر المركز الثقافي الأرثوذكسي بالكامل، وهو أكبر مركز ثقافي في المدينة. كما تم استهداف مدرسة العائلة المقدسة، واستشهد العشرات فيها، وقُصفت كنيستا المعمداني وبرفيريوس".
وأوضح الجلدة أن الحي المسيحي، الذي يسكنه غالبية المسيحيين في منطقة الرمال، تعرض للتدمير بشكل شبه كامل، إلى جانب تدمير مقر جمعية الشبان المسيحية، والعديد من المدارس التابعة للكنائس مثل مدرسة الراهبات الوردية. كما انتشر القناصة حول كنيسة دير اللاتين التي تعرضت لإطلاق نار متكرر.
وأكد أن الاحتلال دمّر منازل المسيحيين المحيطة بالكنائس، بالإضافة إلى استهداف المرافق الأخرى التابعة لهم.
ويعلق الجلدة بالقول: "المسيحيون في غزة مثلهم مثل أبناء شعبهم دفعوا الثمن وعاشوا كل الظروف الصعبة. قرارهم حاسم: إمّا العيش في مناطقهم شمال القطاع أو أن يُدفنوا فيها".
وأضاف أن الاحتلال دمّر البلدة القديمة في غزة، التي يعود تاريخها لأكثر من ألفي عام، وتعمّد تدمير المناطق الأثرية مثل المسجد العمري وحمام السمرة وغيرهما من المعالم التاريخية التي طالتها حرب الإبادة.
وأكد أن الاستهداف طاول الجميع، وقال: "كنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين، نستأنس بوجود بعضنا البعض في المنطقة. الاحتلال اعتبر صمودنا في أرضنا جريمة نعاقب عليها، وكان ينتقم من أهل الشمال لأنهم أصروا على البقاء فيه".
وختم الجلدة حديثه بالقول: "يُسجل لأبناء شعبنا، بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو توجهاتهم الفكرية والسياسية والدينية، أنهم صمدوا في وجه هذه الحرب شمال القطاع ولم يغادروه رغم القتل والتنكيل والإبادة والتجويع. ومصممون على الاستمرار في هذا الموقف".