بين أنقاض البيوت المدمّرة، وصوت الطائرات الذي لا يغيب عن سماء المدينة، استقبل الفلسطينيون في قطاع غزة عيدهم الرابع تحت وطأة الحرب المتواصلة منذ قرابة عامين، في ظل حصار خانق، ودمار واسع، ومأساة إنسانية متفاقمة.
لقد بات العيد في غزة مناسبة حزينة، تغيب فيها بهجة الأطفال، ومحال الحلوى والثياب الجديدة، ويحلّ مكانها الموت والجوع والنزوح والدمار، في مشهد يختصر وجع المدينة الجريحة.
قصف ودمار
تقول حنين محمد، الأم لثلاثة أطفال: "العيد؟ لم نعد نعرفه. نزحتُ من مخيم جباليا وتركت خلفي كل ما أملك، حتى ملابس أطفالي. لم أتمكن من إدخال أي فرحة إلى قلوبهم في هذا اليوم".
وتضيف: "الأطفال، الذين يُفترض أن يكونوا زينة العيد وضحكته، باتوا اليوم شهودًا على حرب لا ترحم. لا ألعاب جديدة، ولا ملابس، لم يعد أطفالي يعرفون من الطفولة سوى أصوات القصف والدمار".
أما أحد الشبان الذين قابلتهم "الرسالة" في أحد الأسواق، فيقول: "كيف ترون السوق؟ هل هذا مشهد سوق ينتظر العيد؟ بسطات فارغة، وأسعار فلكية. الكل هنا يتجول فقط لتمضية الوقت، ثم نعود بأيادٍ فارغة إلى منازلنا".
ويتابع: "العيد في غزة دعاء فقط بأن ننجو، لا أكثر. لا زيارات عائلية، لا ضحكات، لا مائدة تجمعنا. فقط الانتظار والوجع".
وفي غرب مدينة غزة، وتحديدًا في ميناء المدينة، كانت أم محمد تجلس أمام خيمتها، بعد أن نزحت من شرق المدينة. تمسك بقميص ابنها الشهيد وتقول بألم وهي تشير إليه: "هذا الشيء الوحيد الذي حرصت على إخلائه وقت نزحي. فقدتُ ابني وبيتي، كيف سيكون طعم العيد؟".
تتابع الأم المكلومة: "في كل العالم، المسلمون يبحثون عن طريقة لطهي اللحوم في هذا اليوم، بينما نحن نحاول أن نوفّر رغيف الخبز لنطعم أبناءنا الجياع. لقد بات توفير الطعام همًّا يوميًّا يسرق منا أي فرحة. نحن نعدّ الأيام فقط".
وضع مأساوي
وبينما تعيش غزة هذا المشهد القاتم، تستمر المعاناة في ظل غياب الأفق السياسي وانعدام الحلول، فيما يكتفي العالم بمشاهدة هذه المأساة المتكررة بصمتٍ مطبق.
وقال برنامج الأغذية العالمي إن العائلات في غزة تتضوّر جوعًا، في حين أن ما تحتاجه من غذاء لا يزال عالقًا على الحدود.
وأوضح البرنامج أن أحدث تحليلات الأمن الغذائي تؤكد أن العالم في سباق مع الزمن لتجنّب المجاعة، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لتوفير المساعدات لغزة، ومحذرًا من أن استمرار تعطل المساعدات حتى يُعلن رسميًّا عن وقوع المجاعة سيكون متأخرًا جدًا، وقد فُقد الأمل حينها بالنسبة لكثير من سكان القطاع.
بدوره، قال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، في تصريحات صحفية: إن (إسرائيل) أوصلت غزة إلى "أخطر مراحل التجويع"، محذرًا من أن آثار التجويع ستستمر لأجيال، ومؤكدًا أن ما يحدث في القطاع هو "إبادة جماعية، وتجويع متعمد، وجريمة ضد الإنسانية، وانتهاك جسيم لحقوق الإنسان".
وفي الثاني من مارس، أغلقت (إسرائيل) معابر القطاع أمام المساعدات الإغاثية والوقود، واستأنفت سياسات الإبادة الجماعية.
ويعتمد سكان غزة، البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، بشكل شبه كامل على تلك المساعدات، بعدما حوّلتهم الإبادة الجماعية المتواصلة منذ 19 شهرًا إلى فقراء، وفقًا لبيانات البنك الدولي.
وهكذا، يأتي عيد الأضحى في غزة كضيفٍ غريب، لا يحمل معه إلا الذكريات، حيث لا خروف يُذبح، ولا ضحكة تُسمع، ولا فرحة تُرى. عيدٌ آخر لا يعرفه سكان المدينة إلا من الرزنامة، بينما يبقى الأمل معلّقًا في قلوبٍ لا تموت، بأن يأتي يومٌ تعود فيه الأعياد كما يجب أن تكون: ضحكة، ولمة، وسلام.