بالرغم من أن غزة تعيش أسوأ فصول الإبادة الجماعية، وتغرق مدنها تحت الركام والدماء والحرائق، وتُهدر فيه أرواح الأطفال والشيوخ بلا هوادة، تبرز بعض الأصوات الفلسطينية وقد تجرّدت من أي حسّ بالمسؤولية أو الانتماء، لتروّج لروايات تضليلية تمسّ صميم الوجع الفلسطيني.
جلاء أبو عرب، الإعلامية في موقع "دوز" وعضو نقابة الصحفيين، تجسّد اليوم أحد أكثر النماذج الصارخة والمخزية في هذا السياق، بعد انخراطها في برنامج حواري جمعها بمشاركين إسرائيليين، وتبريرها لذلك بعبارات لا تقل فجاجة عن الفعل ذاته.
بحسب ما كشفه رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الدكتور رامي عبده، فقد تواصلت جلاء أبو عرب معه بعد انتهاء البرنامج الذي جمعها مع إسرائيليين، وأرسلت له "رسالة تفصيلية" تسرد فيها أسماء المشاركين، لتبرّر خطوتها بأن اللقاء جاء في إطار "نضال مشترك ضد الاحتلال" وأن الحضور الإسرائيلي يعترف بـ"الحقوق الفلسطينية وفق القانون الدولي".
جلاء لم تكتفِ بالمشاركة فحسب، بل سعت لترويج اللقاء بوصفه فعلاً نضاليًا، وطلبت – بجرأة مثيرة للدهشة – من الدكتور عبده نشر التوضيح للرأي العام، وكأن ما فعلته أمر طبيعي يندرج في سياق المقاومة السياسية، لا التعاون مع أدوات قتلنا اليومي.
التطبيع المغلف بـ"النضال المشترك"
ما يثير الريبة في هذا النوع من السلوك الإعلامي، هو تغليف التطبيع بمصطلحات براقة مثل "النضال المشترك" و"الحوار العابر للانقسامات" و"القانون الدولي"، وهي نفس المفردات التي طالما استخدمها التيار اليساري الصهيوني لتبييض جرائم الاحتلال وإيجاد موطئ قدم له داخل الوعي العربي.
لكن الدكتور رامي عبده وضع النقاط على الحروف حين كتب: "المشكلة ليست في جلاء وحدها؛ فكل المطبعين – بلا استثناء – يصوغون مشاركاتهم مع الإسرائيليين على أنها ’نضال مشترك‘، لكن تحت سقف قانون دولي ملعون أبوه يذبح شعبنا".
تجاهل فاضح للواقع الدموي
في الوقت الذي تخنق فيه دبابات الاحتلال سكان رفح، وتُقطع أوصال القطاع بالنار والرصاص، تقدم جلاء أبو عرب على ما وصفه متابعون بأنه "نموذج غير مسبوق في المجاهرة بالتطبيع"، دون أي اعتبار للدماء التي تسيل، ولا للجوع الذي ينهش أمعاء الأطفال، ولا لكرامة الأسرى في سجون الاحتلال.
هذا السلوك لم يكن مجرد "سقطة شخصية"، بل يُعد إهانة لتاريخ الإعلام الفلسطيني، وانتهاكًا صارخًا لميثاق نقابة الصحفيين الفلسطينيين نفسها، التي يفترض بها أن ترفض أي نشاط تطبيعي أو مشاركة إعلامية مع جهات تُمثل الاحتلال أو تبرر وجوده.
يُطرح اليوم تساؤل كبير في أوساط الإعلاميين الفلسطينيين: أين موقف نقابة الصحفيين من أحد أعضائها الذي يشرعن التطبيع ويصفه بالنضال؟
هل تمر هذه السقطة مرور الكرام كما مرّ كثير من حالات الانحدار الإعلامي في السنوات الأخيرة؟ أم ستتحمل النقابة مسؤولياتها في ضبط معايير الانتساب وتطبيق ميثاق الشرف الصحفي؟
في ظل المعركة الدامية التي يخوضها الشعب الفلسطيني، لا مكان للتأويلات الرمادية. فإما أن يكون الصحفي نصيرًا لحق شعبه في الحرية والكرامة، أو أداة لتبييض الاحتلال وتسويق رواياته.
ما أرادت جلاء أبو عرب تمريره كتوضيح، تحوّل إلى إدانة موثّقة لا تُمحى. رسالتها لرئيس المرصد، وأسلوبها في تقديم المشاركين الإسرائيليين، يكشفان عن وعي كامل بجوهر الفعل الذي قامت به، ومحاولة محزنة لتلميعه، وفي زمن الدم والرماد، لا يُغتفر لمن يفتح أبواب العدو ليقول له: "أنا شريكك في السلام، بينما أنت تذبح شعبي في العلن."