قائمة الموقع

عمال فلسطينيون في معسكرات المساعدات الأميركية: عبودية حديثة خلف الأسلاك الشائكة

2025-06-11T20:49:00+03:00
خاص الرسالة نت

في منطقة مغلقة ومحاصرة غرب محافظة رفح، تقبع حكاية صادمة من الاستغلال والمهانة، يتعرض لها عشرات العمال الفلسطينيين الذين يعملون في معسكرات مرتبطة بالمساعدات الأميركية تحت إشراف شركة محلية تُدعى "أبناء محسن الخزندار". 
الحكاية التي تسرّبت رواياتها بهدوء، تكشف وجهًا قاتمًا لمعسكرات يُفترض أنها إنسانية، لكنها تحولت – وفق الشهادات – إلى ساحات للذل والإذلال والعمل القسري.

ظروف عمل قاسية.. وأدوار مهينة

يؤكد عدد من العاملين السابقين – ممن تحدثوا شريطة عدم كشف هويتهم – أنهم يُجبرون على أداء أعمال شاقة تشمل نقل صناديق المساعدات الثقيلة، تنظيمها في مخازن ميدانية، وترتيب أمتعة المرتزقة الأميركيين القادمين عبر نقاط الاحتلال. لكن الأخطر، كما قالوا، هو قيامهم بخدمة هؤلاء الجنود الغربيين مباشرة، في مشهد وصفه أحد العمال بـ"الخدمة العسكرية للغزاة".

ولم تتوقف الإهانات عند حدود طبيعة المهام، بل تجاوزتها إلى إجراءات مهينة بشكل يومي، أبرزها التفتيش الجسدي من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي قبل دخول مناطق العمل أو مغادرتها، وتوجيه شتائم وتهديدات علنية بحق من يبدي امتعاضًا أو يتأخر عن المهام.

المبيت القسري داخل الكرفانات

يُحتجز هؤلاء العمّال في كرفانات مغلقة، محاطة بنقاط مراقبة عسكرية إسرائيلية. لا يُسمح لهم بمغادرة المكان ولا التواصل مع أسرهم، ويعيشون ضمن شروط تقترب من الاعتقال الجماعي. يحصلون على وجبة طعام واحدة في اليوم، عادة ما تكون غير كافية، بينما تُقدّم لهم السجائر كـ"مكافأة" بديلة عن الأجر. الأجور الفعلية غير معلنة، ولا تُدفع بانتظام، بل تُستخدم كورقة تهديد دائمة.

بحسب ما ورد، يلجأ مسؤولو الشركة إلى استخدام أساليب قهرية للسيطرة على العمال، من بينها التهديد بحرمانهم من مستحقاتهم أو من السجائر، بل وابتزازهم بفضحهم أمام المجتمع ووصمهم بـ"الخيانة" في حال فكروا في التمرد أو كشف ما يدور داخل المعسكر. 
تُستبدل كل مجموعة من العمال بأخرى جديدة أسبوعيًا، وتُمنع أي مظاهر للتواصل أو التصوير، ويُطلب من الجميع التخفّي عن الأنظار وكأنهم أدوات لا بشر.

انتقادات لاذعة للشركة 

شركة الخزندار تعرضت لانتقادات كبيرة، كان أبرزها على لسان عضو المجلس الوطني الفلسطيني والرئيس السابق لاتحاد المقاولين الفلسطينيين أسامة كحيل؛ والذي اعتبر الانخراط في الآلية الإسرائيلية لتوزيع المساعدات يمثل خيانة وطنية صريحة، حيث أن الشركة تلعب دورًا خطيرًا في تمييز المواطنين الفلسطينيين على أساس المعايير الإسرائيلية.

وقال كحيل في تصريح خاص بـ"الرسالة نت":، "يجب التعامل مع هذه الشركات بقسوة شديدة، فهي شركات رخيصة وعميلة، ولا يجوز السماح لها بالإفلات من العقاب. أي شركة تتعامل مع هذه الآلية الإسرائيلية هي خارجة عن الصف الوطني، ويجب أن تُحاسب بشدة".

وأوضح أن الآلية الإسرائيلية لا تهدف إلى تقديم مساعدات إنسانية، بل تسعى إلى "تصنيف الفلسطينيين وفق معايير الاحتلال: من يعمل ومن لا يعمل، من يأكل ومن لا يأكل"، مضيفًا: "كيف يقبل مواطن فلسطيني أن يكون جزءًا من منظومة تحدد مصير الناس على أساس سياسي أو تنظيمي؟ هذا يدخل في خانة الخيانة الوطنية في أوضح صورها".

وشدد كحيل على أن هناك رفضًا شعبيًا وجماهيريًا واسعًا، بالإضافة إلى موقف حازم من الفصائل والمؤسسات ضد هذه الشركات، مؤكدًا أن ظهور هذه الشركات وتورطها بالآلية جاء رغم كل التحذيرات والرفض.

كما نبّه إلى الشق الأمني في الموضوع، موضحًا أن الشركات المتورطة "تعمل ضمن منظومة مشبوهة، فيها فرز للمواطنين، وتحديد من يستحق المساعدة ومن يُمنع عنها، وهو ما يُشكّل منظومة تجويع بشعة لا يمكن القبول بها".

وشددّ على أن أي شركة فلسطينية تشارك في هذه المهزلة؛ من قريب أو من بعيد بأي طريقة أو بأخرى؛ يجب محاسبتها محاسبة العملاء.

عائلة الخزندار تتبرأ من صاحب الشركة 

من جهتها، أعلنت عائلة الخزندار في بيان للرأي العام، تبرؤها الكامل من المدعو محمد محسن الخزندار بعد ورود اسمه ضمن طاقم هندسي يعمل مع شركة أمريكية متورطة في مخططات الاحتلال لإقامة ما يسمى "مناطق إنسانية" في رفح جنوب قطاع غزة.

وأوضحت العائلة أن هذه المخططات تهدف إلى تعميق معاناة أهالي غزة من خلال تكريس الحصار وهندسة التجويع وتجريد المدنيين من مقومات الحياة والكرامة، مشددة على رفضها المطلق لأي مشاركة في مشاريع تخدم الاحتلال.

وأكدت العائلة أن موقفها التاريخي سيظل داعمًا للقضية الفلسطينية والمقاومة، مشيرة إلى أنها لن تسمح لأي شخص أن يلحق بها العار أو يساهم في أي نشاط يخدم الاحتلال. كما دعت جميع أفراد العائلة إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية ورفض الانخراط في مثل هذه المشاريع المشبوهة.

واختتم البيان بتجديد العائلة التزامها بالقضية الفلسطينية، مؤكدة أن المجد للشهداء والحرية للأسرى، واللعنة على كل من يتعاون مع الاحتلال.

خرق صارخ لحقوق الإنسان

ما يجري في هذه المواقع يمثل خرقًا فجًا لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، ويعكس ممارسات أقرب لنظام السُّخرة أو العبودية الحديثة. فالعاملون يُجبرون على تقديم خدماتهم في بيئة قهرية، تحت إشراف شركة فلسطينية، وبرعاية مباشرة من الاحتلال وقوات أجنبية مسلحة، دون عقود قانونية أو حماية نقابية أو طبية.

ويعدّ القانون الدولي هذه الممارسات جريمة إنسانية. إذ تنص اتفاقية العمل الجبري الصادرة عن منظمة العمل الدولية على حظر أي عمل يُفرض تحت التهديد بالعقاب أو دون إرادة العامل. كما أن احتجاز العمال في معسكرات مغلقة، وإخضاعهم للابتزاز والمهانة، ينتهك اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية المدنيين في مناطق النزاع.

ويرى مراقبون أن هذه الوقائع تُحمّل الأطراف المتورطة – سواء الشركة المحلية أو الجهات الأجنبية المشغلة – مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة. وهي تتطلب فتح تحقيق عاجل من قبل الجهات المختصة، وخصوصًا وزارة العمل الفلسطينية والمنظمات الحقوقية الدولية.

كما أن السكوت المجتمعي والإعلامي عن هذا الملف يعزز إفلات الجناة من العقاب، ومن حق هؤلاء العمال – وهم أبناء شعب يعيش أقسى ظروف الحرب والحصار – أن تُصان كرامتهم ويُحاسب من استغل فقرهم لتشغيلهم كأدوات في خدمة الاحتلال ومشاريعه المشبوهة.

 

 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00