في ليلة غاب فيها ضوء الإنسانية عن حي التفاح شرق مدينة غزة، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاثة من أبطال الإغاثة الطبية أثناء تأديتهم لواجبهم الإنساني. كانوا يحاولون إنقاذ أرواح وسط القصف والدمار، لكن قذيفة دبابة استهدفتهم مباشرة، لتكتب نهايتهم المأساوية.
براء عفانة، وائل العطار، وحسين محيسن، ثلاثة أسماء تضاف إلى قائمة الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل إنقاذ الآخرين. كان براء عفانة، شابًا متطوعًا في فرق الإسعاف، شغوفًا بمد يد العون في أكثر اللحظات صعوبة. رغم المخاطر، لم يتردد يومًا في تلبية نداء الاستغاثة، ليكون في الصفوف الأولى دائمًا.
وائل العطار، المسعف المخضرم، أمضى سنوات طويلة ينقذ الأرواح تحت القصف والحصار. كان يعتبر عمله واجبًا إنسانيًا مقدسًا، ولم يكن يومًا يخشى الموت أو يتردد في الوصول إلى المصابين حتى في أخطر المناطق.
أما حسين محيسن، مدير الإسعاف والطوارئ في محافظة غزة، فكان قائدًا ومُلهمًا لزملائه. حمل على عاتقه مسؤولية تنظيم عمليات الإنقاذ والإغاثة في ظل أصعب الظروف، حتى اللحظة الأخيرة التي لقي فيها ربه أثناء أداء واجبه.
استشهد الثلاثة بينما كانوا يحاولون انتشال جرحى من منزل تعرض للقصف في حي التفاح. لم يكن لديهم سوى هدف واحد: إنقاذ حياة من يحتاجون إليهم. لكن قوات الاحتلال، التي تستهدف الإنسان قبل المكان، أطلقت قذيفة دبابة أصابتهم بشكل مباشر، لتتحول ساحة الإنقاذ إلى مشهد مروع.
على مواقع التواصل الاجتماعي، انتشر مقطع فيديو يظهر محاولة فرق إسعاف أخرى الوصول إلى جثامين الشهداء. لكن الاحتلال لم يكتفِ بقتلهم؛ بل أطلق النار على الطواقم التي حاولت إنقاذهم. لم يتمكن زملاؤهم من استعادة جثامينهم إلا بعد ساعات طويلة، وسط المخاطر المستمرة.
وفي وداع مؤثر، قال والد براء عفانة، قائد العمليات في الخدمات الطبية، وهو ينعي ابنه: "هؤلاء المجرمون قتلوا الإنسانية. قتلوا من يلبون نداء الاستغاثة. وأنا اليوم أودع ثلاث أبطال من الإسعاف والطوارئ، من بينهم ابني براء، الذي أقدمه هدية لرب العالمين."
قصة براء، وائل، وحسين هي شهادة على شجاعة عمال الإغاثة الطبية في غزة، الذين يخاطرون بحياتهم يوميًا لإنقاذ الآخرين. لكنها أيضًا وصمة عار على جبين الإنسانية الصامتة أمام استهداف الاحتلال لكل ما هو إنساني في القطاع المحاصر. في غزة، لا يقتصر الموت على القصف والجوع؛ بل يطال حتى أولئك الذين يحملون رسائل الحياة في حقائب الإسعاف