يشهد الكيان الإسرائيلي واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والأمنية منذ إنشائه، وذلك في ظل تصاعد الردود العسكرية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقد جاءت الهجمات الإيرانية النوعية، كجزء من رد محور المقاومة على العدوان الإسرائيلي، لتُحدث زلزالاً اقتصادياً ضرب البنية التحتية الحيوية داخل الكيان، وفرضت واقعًا جديدًا يُعيد رسم معادلة الردع في المنطقة ويكشف هشاشة ما يُسمّى بالمنظومة الاقتصادية الإسرائيلية.
أبرز ملامح الانهيار الاقتصادي تمثّل في إغلاق مصفاة حيفا النفطية، القلب النابض لقطاع الطاقة في الكيان. في 16 يونيو أعلنت مجموعة "بازان" عن توقف كامل لعمليات المصفاة عقب تضرر محطة الطاقة التابعة لها بفعل هجمات صاروخية إيرانية دقيقة. هذه المنشأة، التي تأسست عام 1939، توفّر ما يقارب 60-70% من الوقود المستخدم في قطاعات النقل، الصناعة، الزراعة، وحتى الجيش.
بتعطلها، أصيب الشريان الطاقي للكيان بالشلل، في وقت أكدت فيه وسائل إعلام إسرائيلية أن منصات الغاز "كاريش" و"ليفياثان" قد خرجت من الخدمة أيضاً، ولم يبق سوى "تمار" وهي غير قادرة على تلبية كامل الاحتياجات. صحيفة "كالكاليست" العبرية وصفت هذه الضربة بـ"القاصمة"، نظراً لأنها مست قطاعات النقل والطيران والإنتاج العسكري والمدني في آنٍ معاً.
ولم تكن الضربة مقتصرة على البنية التحتية، بل امتدت إلى قلب التجارة الدولية. فقد ارتفعت أقساط التأمين البحري على السفن المتجهة إلى موانئ الكيان إلى ثلاثة أضعاف، ما بين 0.7% و1% من قيمة السفينة، في تطور يعكس حجم المخاطرة في الوصول إلى موانئ كحيفا وأشدود. شركة "ميرسك" العالمية قررت بدورها تعليق دخول سفنها إلى حيفا، ما يشكل تحديًا لوجستيًا هائلًا، ويمثل صفعة اقتصادية جديدة في ظل حاجته الماسة إلى استيراد السلع والمواد الخام.
الخسائر بالأرقام: نزيف لا يتوقف
حتى تاريخ 20 يونيو 2025، تلقى "صندوق التعويضات" التابع للكيان 30,735 مطالبة، تتوزع بين أضرار لحقت بمبانٍ ومركبات ومعدات. كما تم إجلاء 8,190 مستوطناً من مناطقهم المتضررة، في وقت تشير فيه بيانات وزارة الصحة إلى إصابة أكثر من 2,500 شخص منذ بداية التصعيد الإيراني.
تُظهر هذه الأرقام مدى هشاشة الجبهة الداخلية، والعجز عن توفير بيئة آمنة للمستوطنين. في ذات الوقت، تزداد الكلفة الاقتصادية لتوفير مساكن بديلة ومؤقتة لهم، عبر الإقامات الفندقية، أو منح مالية تعويضية، ما يضاعف الضغط على خزينة دولة الكيان ومؤسساتها التأمينية.
وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن آلاف الهواتف المحمولة للمستوطنين تعرضت للاختراق، حيث استقبلوا رسائل تهديد مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، تدعوهم إلى مغادرة تل أبيب ومستوطنة نيفه تسيدك. صحيفة "إسرائيل هيوم" وصفت الأمر بـ"الاختراق الأخطر في الحرب النفسية" لما له من تأثير على الثقة بالمنظومة الأمنية.
هذا البعد الجديد من المواجهة يعكس مستوى التطور في أدوات محور المقاومة، وقدرته على زعزعة الشعور بالأمان في عمق الكيان دون إطلاق رصاصة واحدة.
كما ارتفعت أسعار الإيجار في الشقق المزودة بأنظمة حماية بنسبة تراوحت بين 11% و20% في بعض المناطق. دراسة نشرتها شركة "WeCheck" أكدت ارتفاع أسعار الإيجارات في مايو وحده بنسبة 2.1% مقارنة بالشهر السابق، و5.3% مقارنة بالعام الماضي. ففي تل أبيب، مثلاً، بلغ إيجار الشقق المحمية 9279 شيكلًا مقابل 6309 شيكلًا لغير المحمية.
ويُعزى هذا الارتفاع إلى ازدياد الطلب على الشقق المحمية في ظل الهلع الشعبي من تكرار الهجمات، وغياب ثقة المستوطنين بقدرة الحكومة على تأمينهم. مدن مثل "رمات جان"، و"غفعتايم"، و"حيفا" و"كريات شمونة"، تشهد موجة ارتفاع مشابهة، في وقت تعاني فيه المناطق القريبة من الحدود الشمالية من شحّ في المعروض السكني.
وتشير المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء في الكيان إلى ارتفاع في الأسعار، وتباطؤ في حركة التجارة، وزيادة في تكاليف التأمين، ما يؤكد أن الكيان بات يرزح تحت ضغط داخلي لا يرحم. فرض "ضريبة حرب" على شحنات الحاويات، وارتفاع كلفة كل رحلة بحرية بعشرات آلاف الدولارات، لا يترك مجالًا للشك أن الاقتصاد بات في مهبّ الريح.
تُظهر المعطيات أن العدوان العبثي للكيان الإسرائيلي على إيران لم يكن مجرد "مقامرة عسكرية"، بل كان خطأً استراتيجيًا كلّفه أثمانًا باهظة على المستويات كافة. فمحور المقاومة نجح في فرض معادلة جديدة: الرد على العدوان سيكون موجعًا، ومكلفًا، وعلى أرض العدو.
من تعطيل مصفاة حيفا، إلى شلل الموانئ، مرورًا بارتفاع أسعار الإيجارات، وصولًا إلى الانهيار المعنوي والأمني، كل المؤشرات تدل على أن الكيان يدخل مرحلة جديدة من التآكل الداخلي. لقد بات جسده الاقتصادي مثقلاً بالخسائر، وروحه المعنوية تائهة تحت وقع الحرب النفسية، وسط مشهد يُمهّد لمآلٍ تاريخيٍ طالما بشّر به أحرار هذه الأمة: زوال الاحتلال، وانتصار المقاومة