قائمة الموقع

في زمن المجاعة… قطط غزة تجوع أيضا

2025-06-29T20:06:00+03:00
غزة - خاص الرسالة نت

كانت تسير بجوار حاوية القمامة، قطة رمادية اللون، ظهرها منحني من الضعف، عيناها تجوب الأرض بقلق، تبحث عن شيء يؤكل، شيء لم يكن لها يومًا، لكنها اليوم بحاجة إليه لتبقى على قيد الحياة. لم تكن وحدها. 
عند كل حاوية، كل زقاق، كل ركن في المدينة، تجد واحدة تشبهها، أو ربما لم تعد تشبه شيئًا. الجوع جرّدها من ملامحها، من خفتها، من دلالها، من صوت المواء المألوف الذي كان يملأ الشوارع في ساعات العصر.

كانت القطط في غزة، مثلها مثل البشر، تخشى الاقتراب. كائنات حذرة، تمشي بخفة، تفرّ عند أول حركة، تختبئ إن شعرت بالخطر. لكن اليوم؟ كل شيء تغيّر. 
صار الخوف أقلّ من الجوع، أو ربما لم يعد له معنى، صارت القطط تتجرأ على أبواب البيوت، تتسلق النوافذ، تتسلل إلى داخل المطابخ، تبحث عن أي فتات، عن كسرة خبز، عن بقايا وجبة لم تكن يومًا مما تحب. لكنها، مثل البشر، اضطرت لأن تأكل ما لا يؤكل.

في بيتها الصغير المكوّن من غرفتين، تجلس هالة زقوت، تحتضن وسادة قديمة. على الجدار صورة لقطتها “لوزة”، التي ربّتها منذ ثلاث سنوات. 
تقول: “كانت واحدة منّا. تنام في زاوية الصالة، توقظني كل صباح، تعرف موعد طعامها وتعرف من أحب ومن أكره. لكني اضطررت لتركها تخرج… أطلقتها في الشارع لأنني لم أعد أملك شيئًا أطعمه لها. كأنني فرّقت بأحد أولادي.”
تتنهد، ثم تواصل، “في البداية كنت أحتفظ لها بجزء صغير من طعامنا، لكن بعد فترة صار الطعام لا يكفي أصلاً. كيلو طعام القطط صار بـ80 شيكل، وأحيانًا أكثر. نحن بالكاد نجد الخبز. كلما نظرت في عينيها، أحسست أنها تفهم، كانت تجلس عند الباب ولا تدخل، كأنها تعرف أنني لا أستطيع. الآن لم أعد أراها. أخشى أنها ماتت، أو ربما رحلت تبحث عن طعام في مكان آخر. لكني أشعر بفراغ… لا يشبه أي شيء آخر.”

في الشارع المجاور، كان فادي نصر، شاب في مقتبل العشرينات، يعتني بمجموعة من القطط الضالة منذ سنوات. يضحك بمرارة ويقول:
“كنت ألقبهم بأسماء… واحدة اسمها سكرة، والثانية شيخة، والثالثة مدللة. كانوا يعرفونني ويأتون كل صباح. أضع لهم بقايا الفطور. لكن الآن؟ حتى نحن لا نجد ما نأكله. يومًا بعد يوم، اختفوا. بعضهم مات، بعضهم صار ضعيفًا جدًا، بالكاد يستطيع المشي. واحدة منهم ماتت أمام باب بيتي. جلست هناك طوال النهار، ثم تمددت، ولم تقم بعدها. جربت أن أطعمها خبزًا يابسًا، لكنها لم تأكله. كانت تنظر إليّ وكأنها تسألني: لماذا تغير كل شيء؟”

في شوارع غزة، مشهد القطط الهزيلة بات جزءًا من اليوميّ. تجلس أمام أبواب البيوت، تنام على الأرصفة، تتسكع حول الحاويات، تحاول أن تلتقط ما يسقط من أيدي المارة. لا فرق بينها وبين الأطفال الجائعين في المخيمات. الجميع يلهث خلف لقمة طعام.

في عالمٍ مثالي، القطط حيوانات مدللة، تعيش في البيوت، تأكل طعامًا خاصًا، تنام في سلال ناعمة. أما في غزة، فالقطط تأكل الخبز، وتبحث في القمامة، وتتهجم على البيوت، وتُركل من الأبواب، وتموت بصمت.

حتى القطط – الكائنات التي عرفناها خفيفة، مرحة، فضولية – لم تسلم من المجاعة. صارت تمشي بخوف، وتتسكع بخجل، تموت ببطء. صارت مجرد كائنات تبحث عن البقاء، في مدينة لم يعد البقاء فيها مضمونًا حتى للبشر.
في غزة، لا شيء خارج المأساة. لا بشر، لا طير، لا شجر، ولا حتى القطط

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00