منذ فجر أمس الأحد ، تحوّل مستشفى المعمداني في قلب مدينة غزة إلى محطة نهائية للموت القادم من السماء.
لم تتوقف سيارات الإسعاف عن جلب الشهداء والمصابين... لا لحظة هدوء، لا مساحة للتنفس.
في ساعات الفجر الأولى، وصل أول فوج من الجثامين. أطفال مبتوري الأطراف، نساء مزّقت أجسادهن الشظايا، رجال بلا ملامح.
طوال الليل والنهار، كانت الأروقة تغص بالأنين… بالصراخ… بالدعاء الأخير.
أم مسنّة وصلت حاملة ابنها الشهيد على حجرها، لم تكن تبكي، كانت تمسح على جبينه كأنه نائم.
قالت للطبيب بصوت مكسور:"إلّي أخدتوه كان كل عمري، رجّعولي جزء منه، رجّعولي عيونه بس."
الأطباء في المعمداني لم يعودوا يميّزون بين المصاب والميت، فالجروح جميعها قاتلة، والصرخات كلها موجعة.
الطواقم الطبية تُقاتل بلا أدوات، بلا كهرباء، بلا أدوية، وأحيانًا بلا أمل.
في لحظة صاعقة، دوّى صراخ شاب عشريني في جناح الطوارئ. اقترب من أحد الجثامين المغطاة، نزع الغطاء، وجثا على ركبتيه.
صرخ: "هاد أخوي! طلع أخوي... أنا كنت مستنيه يرجع!"
ثم أجهش بالبكاء، وراح يضرب بقبضته الأرض، كما لو كان يحاول إيقاظ القدر… أو كسر الموت.
في إحدى الزوايا، طفل فقد ذراعيه، ينظر إليك كأنك المذنب، أو ربما يتوسّل إليك أن توقف هذا الجحيم.
سألني بصوت مرتجف:"ليش أنا؟ ليش مش أنا اللي متت؟ ماما راحت، وأنا كنت ماسك إيدها..."
ثلاجة موتى مفتوحة.
جثث في الممرات، وأكياس بيضاء مرصوصة على الأرض، وملامح ذهول على وجوه الأحياء.
الآباء لا يبكون فقط، بل ينهارون.
أحدهم قال وهو يدفن رأسه في صدر طفله الميت:"أخدوني أنا، أنا خلّصت… هو ما بلّشش."
وفي الخارج، تنتظر عشرات العائلات أخبارًا لا تأتي، وأملًا يعرفون في قرارة أنفسهم أنه مات قبل أن يصل المستشفى.
في المعمداني، لا حاجة للتوثيق… فكل زاوية فيه شاهدة على المجازر.
هنا، لا وقت للفزع، لأنك جزء منه. لا وقت للحزن، لأنك تغرق فيه.
منذ فجر أمس… وحتى اللحظة، ما زال الموت يعبر بوابات المستشفى دون توقف، وما زال العالم صامتًا.
صامتًا… على مشهد يُبكي الحجر ويعجز عنه الكلام