تعيش غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بتاريخها، في ظل دمار واسع وتهجير قسري ونقص حاد في الغذاء والدواء والمياه، وسط تحذيرات دولية متزايدة من أن القطاع بات على شفا الانهيار الكامل، وقد يتحول قريبا إلى منطقة غير صالحة للسكن.
ويؤكد مراقبون أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد أزمة مؤقتة، بل كارثة ممنهجة تتكشف فصولها يوميا، في ظل تصاعد استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وشهدت الأسابيع الماضية تصعيدا غير مسبوق في العمليات العسكرية داخل القطاع، حيث استهدفت أحياء سكنية بأكملها، مما أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين، من بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال.
صدمة أمام الكارثة
وفي تصريح هو الأشد منذ بداية التصعيد، عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن صدمته إزاء الكارثة الإنسانية التي تتفاقم يوما بعد الآخر في قطاع غزة، مؤكدا أن مستوى المعاناة والوحشية في غزة لا يُطاق، في إشارة مباشرة إلى عمق الفاجعة التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع المحاصر.
وجاء هذا التصريح خلال إحاطة أمام مجلس الأمن، شدّد فيها غوتيريش على أن ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل انهيار شامل للأوضاع المعيشية والبنية التحتية، وتحول تدريجي لغزة إلى منطقة غير صالحة للعيش.
وأكد الأمين العام أن الأمم المتحدة تدين بأشد العبارات عمليات القتل والإصابات التي طالت آلاف المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، بالإضافة إلى تدمير واسع للمنازل والمدارس والمستشفيات والمساجد.
وقال: "المدنيون يدفعون الثمن الأكبر في هذا الصراع، والبنية التحتية المدنية تُدمّر بشكل ممنهج"، داعيًا إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين والمرافق الحيوية.
وحذّر غوتيريش من عمليات التجريف الواسعة ودمار الأحياء السكنية التي "تحوّل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة"، مشيرًا إلى تقارير تؤكد أن مئات آلاف السكان باتوا مشرّدين بلا مأوى أو مصدر للغذاء والماء.
كما شدد على أن أي عمليات تهجير قسري للسكان داخل الأراضي المحتلة "تمثل خرقا واضحا للقانون الدولي الإنساني"، مؤكداً أن الأمم المتحدة ترفض رفضاً قاطعاً أي نقل قسري للسكان تحت ذريعة الحرب أو التهديدات الأمنية.
وتجدر الإشارة إلى أنه في موازاة العمليات العسكرية، يعيش سكان غزة أوضاعا معيشية كارثية، حيث يعاني أكثر من 90% من السكان من انعدام الأمن الغذائي، فيما توقفت أغلب المستشفيات عن العمل بسبب نقص الوقود والمستلزمات الطبية.
ولا تزال قوافل الإغاثة تواجه صعوبات بالغة في الدخول إلى القطاع، بسبب القيود المفروضة من سلطات الاحتلال، ما يفاقم معاناة السكان ويحول دون تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية والإنسانية.
وقد طالبت جهات أممية مرارًا بضرورة السماح الفوري وغير المشروط بإدخال المساعدات الإنسانية، وتوفير ممرات آمنة لوصول الإغاثة إلى جميع المناطق المتضررة داخل غزة.
تهجير قسري!
في حين، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن إسرائيل تواصل ارتكاب جريمة التهجير القسري بحق سكان قطاع غزة ضمن سياسة مدروسة وعلنية توظّف فيها أنماطًا مختلفة من الجرائم.
وأشار المرصد الأورومتوسطي أن أدوات التهجير القسري الإسرائيلية تشمل القصف والتجريف واسع النطاق، والتجويع المتعمّد، وتدمير البنية التحتية المدنية، وطرد السكان بقوة النار وبأوامر التهجير، وتجميعهم في مساحة محدودة تقل عن 15% من مساحة القطاع، تمهيدًا لتهجيرهم الجماعي خارجه، بعد أن حوّلت معظم مناطق غزة إلى أراضٍ مدمّرة غير مأهولة وغير صالحة للحياة حاليًا أو مستقبلًا، بما يشكّل امتدادًا مباشرًا لجريمة الإبادة الجماعية التي تنفذها منذ نحو 21 شهرًا.
وأوضح المرصد في بيان له أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أصدرت بين 28 و30 يونيو/حزيران 2025 ثلاثة أوامر عسكرية جديدة بتهجير سكان مناطق واسعة في شرقي مدينة غزة وجنوبها، وأجزاء من شمالي القطاع، شملت مساحة شاسعة تمتد لعدة كيلومترات مربعة، وتسببت في نزوح عشرات آلاف المدنيين قسرًا، ممن وجدوا أنفسهم عالقين بين التهجير المستمر، والتجويع، والقصف المتواصل، في ظل انعدام أي ملاذ آمن داخل القطاع.
وبجانب ذلك، وثقت منظمات حقوقية حوادث متكررة تعرض فيها مدنيون فلسطينيون لإطلاق نار خلال محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، في مشاهد توصف بأنها "مجازر في طوابير الجوع".
وطالبت هذه المنظمات بإجراء تحقيق دولي عاجل وشفاف، لكشف المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة، وضمان عدم تكرارها، مؤكدة أن استهداف المدنيين والمساعدات يمثل جريمة حرب وفق القوانين الدولية