لم تعد الطفولة بمعناها الحقيقي في غزة موجودة! إذ حولتها الإبادة إلى رفاهية حُرم أطفال المدينة التي تتعرض للإبادة منذ قرابة العامين من التمتع بها. لقد غيرت الحرب أولوياتهم، فبدلاً من اللعب والدراسة، أصبح البقاء على قيد الحياة هو الهدف الأسمى.
إنها قصة جيل كامل من الأطفال الذين تحولوا إلى رجال ونساء صغار، يحملون على عاتقهم أعباء تفوق أعمارهم، يركضون خلف المعونات، ويعبئون المياه، ويبيعون القهوة، كل ذلك لمساعدة عائلاتهم على إكمال طريق الصبر في ظل واقع مرير.
في قلب هذا الواقع القاسي، تبرز قصة كمال مريش، الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، والذي تحول إلى بائع قهوة بين الخيام، ليساهم في إعالة أسرته.
يقول والده سليمان مريش بصوت يرتجف: "لقد كان ابني طفلاً حولته الحرب إلى مائة رجل دفعة واحدة. كان كمال يستيقظ كل يوم، ليشعل الحطب ويغلي القهوة، ثم يذهب مع شقيقه لبيعها في الطرقات الممتدة بين خيام اللاجئين وبسطات التجار."
لكن الاحتلال (الإسرائيلي) لم يمهل كمال طويلاً، حين قرر أن يقصف مطعم (التايلندي) بمدينة غزة، بينما كان عشرات من الناس يحاولون أن يلتقطوا أنفاسهم داخله بعيدًا عن ضجيج الموت والقصف، فقتلهم الاحتلال قبل أن يكملوا احتساء فنجان قهوتهم الأخير، وتطايرت أشلاء الموجودين في المنطقة الأكثر ازدحاماً في المدينة، حيث تزامن القصف مع استهداف آخر لسوق شعبي قريب من المكان. كان الشهداء معظمهم من الأطفال والنساء والشباب اليافعين.
ركض والد كمال بينهم، يرتل أدعيته ويستعيذ بالله مما يدور في خيالاته. لكن الطفل الرجل، الذي لم يتجاوز العاشرة، كان ممدداً على الأرض ينزف، وقد حفرت شظية رأسه من الخلف، وارتقى شهيداً.
قصة كمال ليست سوى واحدة من آلاف القصص المأساوية التي يسطرها أطفال غزة يومياً. فالحرب لم تسرق طفولتهم فحسب، بل سرقت أرواحهم أيضاً.
تشير التقارير إلى ارتقاء أكثر من 16,500 طفل منذ بدء العدوان (الإسرائيلي) على غزة، مع إصابة عشرات الآلاف الآخرين. بالإضافة إلى ذلك، نزح أكثر من 700,000 طفل بسبب القصف المتواصل، ويعيشون في ظروف قاسية داخل مراكز الإيواء أو الخيام.
لم تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية والنزوح، بل امتدت لتشمل الجوانب النفسية والتعليمية والصحية. حيث أظهرت دراسة حديثة أن 96% من أطفال غزة يشعرون بأن الموت وشيك، بينما يعاني 92% منهم من صعوبة في تقبل الواقع، و79% يعانون من الكوابيس المستمرة. أما على صعيد التعليم، فقد دمرت الحرب أكثر من 90% من المدارس، وحرم الأطفال من سنوات دراسية عديدة، ليصبح التعليم رفاهية بعيدة المنال، فلم يذهب كمال ورفاقه إلى المدرسة منذ عامين، ولكنه ذهب إلى السماء، الطريق الوحيدة المفتوحة لأطفال غزة!
يضيف والد الطفل كمال "إن ما يحدث في غزة هو وصمة عار على ضمير الإنسانية. فأطفال غزة يستحقون حياة كريمة، بعيداً عن ويلات الحرب. إنهم بحاجة ماسة إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وإلى وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، وإلى دعم نفسي واجتماعي مكثف لمساعدتهم على تجاوز هذه المحنة."
وفي رسالة أخيرة ناشد المواطن سليمان مريش العالم أن يتحرك فوراً لوقف هذه المأساة، وأن يعمل على ضمان حقوق الأطفال في الحياة والتعليم والأمان، وتساءل كم من كمال آخر يجب أن يسقط قبل أن يتحرك العالم؟