أريد أن تنبت أصابعي، ولو قليلاً، فقط لألعب بالمفكات وأصلّح ما يتعطل في البيت، كما كنت أفعل قبل أن أفقد أصابعي"
بهذه الجملة الصغيرة، يفتح راكان العواودة حديثة "للرسالةنت" حول ما حدث معه في منطقة نيتساريم.
راكان، طفلٌ لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، يسكن مع عائلته في منطقة “تبة النويري” بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
كان يعيش حياة بسيطة كبقية الأطفال، يجري بين أزقة المخيم، ويضحك، ويعبّر عن نفسه بصوت مرتفع، وكان أقرب للأدوات الحرفية من الألعاب الإلكترونية، كان يحب اللعب بـ”المفكات والشكوش”، يساعد والده في إصلاح ما يتعطل في المنزل، ويتصرف كفنيّ صغير، ينتظر أن يكبر ليصبح عاملًا ماهرًا كما كان يقول.
لكن كل ذلك تغيّر فجأة، في يومٍ مشؤوم، بتاريخ 6 فبراير 2025.
ذلك اليوم لم يكن كباقي الأيام. هدنةٌ أولى تم الإعلان عنها، انسحب فيها الجيش من بعض المناطق بما فيها “نتساريم”، وهي المنطقة التي كان يسكن فيها راكان قبل أن تدمر الحرب منزل عائلته هناك. قرر الطفل، بدافع الحنين والفضول، أن يذهب وحده إلى المكان.
ربما كان يبحث عن ذكرى، أو يريد أن يرى ما تبقى من بيته، أو ببساطة أراد أن يلعب بين الأراضي الزراعية حيث اعتاد الجري والضحك في أيام الهدوء.
وصل راكان إلى المكان، حيث لم يكن هناك سوى أطلال، وأراضٍ امتصت دماء كثيرة. شعر بالجوع، فبدأ يبحث حوله، وبين الأعشاب اليابسة، لمح علبة معدنية تشبه علبة سمك. دون أن يعلم، اقترب منها، أمسكها بيديه الصغيرتين، ومشى بها خطوات معدودة نحو ظل شجرة قريبة. جلس، وفتحها.
لم تكن علبة طعام، بل كانت عبوة مفخخة، مموّهة بعناية، تخدع حتى الكبار، فكيف بطفلٍ جائع؟
في لحظةٍ خاطفة، تغيّر كل شيء.
دوّى انفجار هائل، هزّ المكان، وتعالى صراخ الناس في أرجاء المخيم. سارع الجيران إلى حيث كان راكان، وكان بينهم أحدهم الذي ركض مسرعًا إلى والد الطفل، ليخبره: “ابنك… أصيب إصابة خطيرة!”.
ركض الأب بذعرٍ لا توصفه الكلمات، لا يفكر إلا بشيء واحد: أن يصل. أن يرى. أن يطمئن، أو يتأكد، أو حتى يودّع. وحين وصل، وجد راكان وسط الدماء، نصفه مستلقٍ على التراب، ونصفه الآخر بين يدي الشباب الذين حاولوا إسعافه.
حُمل راكان إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت، ينزف نزفًا حادًا، كانت حالته حرجة جدًا. بدأت الطواقم الطبية بالعمل السريع، وفحصت جسده الذي مزّقته الشظايا.
النتائج كانت قاسية فأصيب بشظايا أصابت قلبه وشظايا اخترقت عينه وكف يده اليسرى تمزّقت بالكامل، وفُرض بتر جميع أصابعه وأيضاً شظايا أخرى انتشرت في مختلف أنحاء جسده.
خضع الطفل لعدة عمليات. بقي في المستشفى أسابيع طويلة، يتلقى العلاج المكثف. لكنه لم يشفَ. فالأطباء في غزة أعلنوا بصراحة مؤلمة: “نحن عاجزون… يحتاج إلى تحويل عاجل للعلاج خارج البلاد”. ولكن التحويلات صعبة، ومعقدة، ومعلقة في عنق الحصار والموافقات المعلقة.
يقول والده: “راكان لم يعد كالسابق، صار صامتًا أغلب الوقت، ينظر إلى يده المبتورة، ثم إلى الأطفال الآخرين وهم يلعبون، ولا يتحدث كثيرًا”.
"أصدقاؤه في الحارة باتوا يبتعدون عنه، بعضهم يسخر منه. حتى في البيت، بدأ يشعر بالغربة: إخوته لا يحبون أن يتناولوا الطعام معه، أو أن يشاركه أحدهم شيئًا بيده المجروحة؛ هذا أثّر على نفسيته بشدة، وبدأ يدخل في نوبات حزن صامت"
وفي أحد الأيام، أمسك بيد والده وقال:
“بابا… لو بس تنبت أصابعي شوي… علشان أرجع ألعب بالمفكات، وأصلّح زي زمان…”
يقول والده شعرت وقتها أني هزمت أمامه، لا أعرف كيف يمكن أن أخفف عنه وليس بيدي شيء أقدمه سوا الدعاء.
ركان اليوم بحاجة إلى رعاية طبية ونفسية متخصصة. بحاجة إلى علاج خارجي، وتأهيل طويل، وفرصة عادلة للشفاء والاندماج.