قائمة الموقع

في ذكرى استشهاد غسان كنفاني: الكلمة ما زالت تقاوم

2025-07-08T09:42:00+03:00
خاص_ الرسالة نت

تمر اليوم الذكرى الثالثة والخمسون على استشهاد الكاتب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتالته "إسرائيل" في مثل هذا اليوم من عام 1972، بتفجير سيارته في بيروت، في واحدة من أوائل عمليات الاغتيال السياسي التي استهدفت قيادات العمل الثقافي والفكري في الثورة الفلسطينية.

ولد كنفاني عام 1936 في عكا، وهُجّر مع عائلته عام 1948 خلال نكبة فلسطين إلى لبنان ثم سوريا، ليتحوّل لاحقًا إلى أحد أبرز رموز المقاومة الفلسطينية عبر الكلمة. لم يكن مجرد كاتب، بل كان مفكرًا عضويًا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومتحدثًا باسمها، ومؤسسًا لجريدة "الهدف" التي تحوّلت لمنبر سياسي وثقافي للمقاومة.

 

تكرار المأساة وتجدّد المهمة

اللافت في ذكرى كنفاني هذا العام، أن السياق الفلسطيني يعيد إنتاج نفس المأساة التي كتب عنها. فغزة التي يواجه أهلها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 حربًا شرسة، يعيشون واقع اللجوء والنكبة مجددًا. 

أكثر من مليوني فلسطيني مهجّرين داخل القطاع، ومئات الآلاف من البيوت مدمّرة، ومجازر متواصلة، تمامًا كما كتب كنفاني في روايته الشهيرة "عائد إلى حيفا"، ويطرح السؤال الأخلاقي عن معنى الوطن والانتماء بعد النكبة.

 

اليوم، مشاهد الأطفال المشردين تحت القصف، والنساء المنكوبات، واللاجئين في مدارس الأونروا أو العراء، تعيد صدى كتابات كنفاني في "أرض البرتقال الحزين" و"رجال في الشمس"، حيث اللجوء ليس مجرد حالة إنسانية، بل صدمة وجودية تنقل الفلسطيني من كونه مجرد ضحية إلى صاحب سؤال سياسي وأخلاقي.

 

الكلمة التي تقاوم

رغم مرور أكثر من خمسة عقود على اغتياله، فإن مقولات كنفاني ما زالت حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الفلسطيني. 

عبارته الشهيرة: "إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية من أحبّوه"، تتردّد في جنائز الشهداء والمقاتلين الذين يرتقون يوميًا في غزة، وكأن كنفاني وضع الأساس النظري للمقاومة الحديثة، التي ترى في الفعل الثقافي امتدادًا للميدان، وفي الكلمة سلاحًا لا يقل أهمية عن البندقية.

 

وحتى اليوم، لم يُقدَّم كنفاني ككاتب فقط، بل كمنظّر لمشروع التحرير الوطني، مدركًا لخطورة المشروع الصهيوني، ومنبّهًا إلى أهمية استعادة الرواية الفلسطينية كأداة مقاومة بوجه السردية الإسرائيلية. 

كان من أوائل من صاغوا مفهوم "الهوية الثقافية في مواجهة الاحتلال"، وهو ما نلمسه حاليًا في الحرب على الرواية الفلسطينية في الإعلام العالمي، وحملات إسكات الصوت الفلسطيني على المنصات الرقمية.

 

استهداف مستمر

كما اغتالت "إسرائيل" كنفاني لأنه عبّر عن المقاومة بالكلمة، فإن استهداف المثقفين والصحفيين الفلسطينيين ما زال مستمرًا، وتشير تقارير مؤسسات حقوق الإنسان إلى استشهاد مئات المثقفين والكتاب والمحللين والأكاديميين والصحفيين منذ بداية الحرب الأخيرة، في أكبر استهداف ممنهج للنخب المثقفة في تاريخ الصراع، وهو ما يعكس استمرار العقلية ذاتها التي ترى في الكلمة خطرًا يجب إسكاته.

غسان كنفاني لم يكن بطل رواياته فقط، بل كان أحد وجوهها. ترك لنا إرثًا من الأدب والفكر والسياسة، ليظل شاهداً على مرحلة ومحرضًا على استكمال الطريق. 

في الذكرى الـ53 لاستشهاده، يبدو أن المهمة التي بدأها ما زالت مستمرة، وأن جيلًا جديدًا من الفلسطينيين يحمل رايته، وإن تغيرت الأدوات.

اخبار ذات صلة