خلال أقل من أسبوع، اهتزّت المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية بأربع حوادث انتحار متتالية لجنود، بينهم نظاميون واحتياط، في مشاهد متفرقة من الكيان الإسرائيلي، الحوادث، وإن اختلفت في توقيتها ومكانها، إلا أنها تتقاطع عند سبب مركزي واحد: الانهيار النفسي الناتج عن المشاركة في حرب غزة وما رافقها من مشاهد مروعة وواقع ميداني قاسٍ.
بدأت سلسلة الانتحارات في 6 يوليو 2025، حين أقدم الجندي "دانيال إدري" (24 عامًا) على إضرام النار في جسده داخل سيارته، بعد أن عانى من اضطرابات نفسية حادة بعد مشاركته في القتال في غزة ولبنان.
ورفضت المؤسسة العسكرية تصنيفه كـ"شهيد في الخدمة"، ما أثار غضب عائلته، التي أكدت أنه طلب مرارًا العلاج النفسي دون جدوى.
بعدها بثلاثة أيام فقط، في 9 يوليو، أُعلن عن انتحار جندي آخر داخل قاعدة عسكرية جنوب الكيان. تبع ذلك، في 10 يوليو، العثور على جندي احتياط جثة هامدة في حي "هار حوما" في القدس.
وأخيرًا، في 11 يوليو، انتحر جندي احتياط يبلغ من العمر 30 عامًا داخل سيارته في مستوطنة تفوح قرب نابلس.
أزمة صامتة تتفجّر
تأتي هذه الحوادث ضمن سلسلة أطول وأعمق، فبحسب معطيات نشرها موقع وكالة الأناضول ومصادر عبرية، سُجّلت 21 حالة انتحار لجنود إسرائيليين عام 2024، وارتفع العدد إلى أكثر من 14 حالة جديدة حتى منتصف عام 2025.
وتقدّر مصادر أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى، إذ يتم أحيانًا تصنيف الانتحارات في تقارير داخلية تحت مسميات غامضة مثل "وفاة غير قتالية" أو "ظروف قيد التحقيق".
وتعترف مؤسسة الجيش، بحسب تقرير لصحيفة "هآرتس"، بأن نحو 1600 جندي يعانون من أعراض ما بعد الصدمة (PTSD) منذ مطلع عام 2024، وتم فصل حوالي 250 جنديًّا لأسباب تتعلق بالصحة النفسية.
وتشير المعطيات إلى أن معظم الجنود المنتحرين شاركوا في القتال في غزة، حيث لا تزال المعارك مستمرة منذ استئناف الحرب في مارس الماضي.
يعيش الجنود الذين عادوا من الجبهة معزولين نفسيًّا، في ظل صمت رسمي وتقصير في تقديم الرعاية النفسية، خاصة للجنود من الطبقات الاجتماعية الهامشية أو المتدينين الجدد الذين تم تجنيدهم في الألوية القتالية. الجيش الإسرائيلي، وإن كان يحاول إدارة الصورة الخارجية للمعركة، يواجه أزمة داخلية صامتة تتعلق بالجنود العائدين من الميدان، الذين يحملون معهم "أشلاء داخلية" تتجاوز الإصابات الجسدية، إلى ندوب نفسية عميقة، تدفع بالبعض إلى اختيار الانتحار كمهرب نهائي.
دلالات وتحديات تصاعد حالات الانتحار بهذا الشكل المتسارع خلال أسبوع واحد، لا يمكن قراءته كأحداث فردية معزولة، بل كمؤشر خطير على انهيار البنية النفسية للمقاتل الإسرائيلي في ظل حرب مفتوحة لا أفق لنهايتها.
ويرى مراقبون أن حرب غزة لم تستنزف الفلسطينيين فقط، بل تسببت في تصدّع متسارع في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث يقاتل الجنود على الأرض، بينما يُترك مصيرهم النفسي معلقًا في الهواء.
وتعكس سلسلة الانتحارات الأخيرة فشلًا أخلاقيًا ومهنيًا في معالجة ما بعد الحرب، وتؤشر إلى أزمة ثقة متزايدة داخل الجيش الإسرائيلي.
إذا استمر هذا الإهمال، فإن الحرب القادمة التي يخشاها الإسرائيليون قد لا تأتي من حدود غزة، بل من داخل النفوس المحطمة في ثكنات الجيش ذاته.
وتظهر المشاهد التي تبثها كتائب القسام خاصة ضمن سلسلة (حجارة داوود) بسالة وإقدام لمقاتليها وجرأة منقطعة النظير أثناء تنفيذ كمائن ضد جيش الاحتلال، تسببت بقتل وجرح العشرات منهم وهو ما يفسر حالات الصدمة التي يعاني منها جنود الاحتلال الإسرائيلي.