أصدر مركز الدراسات السياسية والتنموية ورقة تحليلية معمّقة تسلط الضوء على التحول النوعي في الأداء العسكري للمقاومة الفلسطينية خلال الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحتى اليوم، تحت عنوان: "التحول في الأداء العسكري للمقاومة الفلسطينية خلال حرب غزة: من المبادأة التكتيكية إلى الاستنزاف الاستراتيجي".
وتقدم الورقة، التي تُعد من أكثر الدراسات الميدانية توثيقًا حتى الآن، قراءة تحليلية شاملة لأنماط التكتيك العسكري والعقيدة القتالية الجديدة للمقاومة، كما تُجري تقييمًا ميدانيًا واستراتيجيًا لأداء الفصائل المسلحة، مستندة إلى بيانات وبلاغات رسمية من كتائب القسام وسرايا القدس، إلى جانب اعترافات إسرائيلية ومصادر إعلامية دولية.
طوفان الأقصى: بداية التحول
افتتحت الورقة تحليلها بالتأكيد على أن عملية "طوفان الأقصى" شكلت نقطة تحول كبيرة في الصراع، حيث استطاعت كتائب القسام من خلالها كسر معادلات الردع التقليدية، وإطلاق حرب مفتوحة كشفت عن تطور نوعي في بنية المقاومة وقدرتها على المبادرة الاستراتيجية، وإدارة معارك متعددة الجبهات رغم الحصار والدمار.
تؤكد الورقة أن هذا الأداء المتطور لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة تراكم خبرات ميدانية منذ عام 2008، مرورًا بحروب كبرى مثل "الفرقان"، و"العصف المأكول"، و"سيف القدس"، وصولًا إلى المعارك الموضعية مثل "وحدة الساحات". وقد أسهم هذا التراكم في تأسيس "عقل عملياتي جماعي" وتطوير العقيدة القتالية للمقاومة.
من أبرز التحولات:
الانتقال من الدفاع إلى المبادأة الهجومية.
اعتماد الاشتباك القريب لتحييد التفوق الجوي الإسرائيلي.
تنفيذ كمائن مركبة تستدرج القوات المعادية إلى مناطق قتل.
إعادة التمركز والسيطرة في مناطق سبق إعلان احتلالها.
كمائن وأسلحة محلية الصنع وسط الأنقاض
توثق الورقة عددًا من التكتيكات الميدانية، مثل:
الاشتباك القريب عبر وحدات النخبة.
استخدام عبوات محلية الصنع مثل العبوات البرميلية وشواظ.
تحويل الأنقاض إلى مواقع للاختباء وتنفيذ الكمائن.
القنص باستخدام بنادق متطورة مثل "الغول".
الاستنزاف النفسي للعدو عبر بث العمليات المصورة.
ورغم الانهيار الواسع للبنية التحتية وتهجير نحو مليوني إنسان، استطاعت المقاومة تحويل هذه البيئة المدمرة إلى أداة تكتيكية لصالحها.
فشل الأهداف الإسرائيلية وتكريس المقاومة كفاعل ميداني
ترصد الورقة أبرز مظاهر الفشل الإسرائيلي:
عجز الجيش عن القضاء على المقاومة بعد مرور 20 شهرًا من الحرب.
استمرار العمليات في مناطق متفرقة داخل غزة.
خسائر بشرية كبيرة بلغت أكثر من 890 قتيلًا في صفوف الجيش الإسرائيلي (بحسب مصادر عبرية).
تصاعد السخط الشعبي داخل (إسرائيل)
وتشير الورقة إلى أن المقاومة فرضت واقعًا جديدًا عنوانه "الاستنزاف طويل الأمد"، ما جعل الجيش الإسرائيلي في موقع دفاعي على الرغم من تفوقه العسكري.
دلالات استراتيجية وتوصيات عملية
تخلص الورقة إلى أن المقاومة باتت تقدم نموذجًا جديدًا في حروب العصابات، يعتمد على الصمود والإرباك وليس على توازن السلاح التقليدي.
ومن أبرز التوصيات:
ترسيخ نموذج الكمين متعدد الطبقات.
تعزيز التكامل بين الفصائل المقاومة.
توسيع التصنيع العسكري المحلي.
إعادة بناء الحاضنة الإعلامية الدولية.
إعداد موسوعة توثيقية شاملة للتجربة القتالية.
تُعد هذه الورقة من أكثر الدراسات تفصيلًا حول الأداء القتالي للمقاومة خلال الحرب الجارية، وتفتح الباب أمام نقاش واسع بشأن التحول الاستراتيجي في بنية المقاومة، ومدى تأثيره على مستقبل الصراع وعلى فشل السياسات الإسرائيلية في حسم المعركة عسكريًا.