من جديد، تثبتُ القواتُ المسلحةُ اليمنية أن غزة ليست وحدها. فصاروخ "فلسطين 2" الفرط صوتي الذي استهدف مطار اللد في قلب الكيان، لم يكن مجرد رسالة نارية، بل إعلانًا واضحًا أن صنعاء تقفُ بثباتٍ في خندق المقاومة، وأن المظلومية الفلسطينية لا تزال تُحركُ من بقي في قلبه نبضُ عروبةٍ أو بقايا ضمير.
العملية التي أعلنها العميد يحيى سريع، لم تكن الأولى، لكنها تأتي في لحظة فارقة، حيث يشتد الخناق على غزة، وتتكالب قوى العدوان على تجويع سكانها وإبادة من تبقى منهم.
اليمن، برغم جراحه، يتقدم الصفوف بصواريخه… بينما بعض العواصم تُغلق حدودها وتفتح أجواءها للطائرات الصهيونية.
الضربة التي وُصفت بأنها دقيقةٌ ومؤثرة، لم تكن مجرد صاروخٍ عابر للحدود، بل عابرةٌ لكل حسابات الصمت، تنطق بلسان الأمة التي سُلب صوتها، وتُشعل بارود العروبة في زمن الخذلان.
اليمن يقاتل من أجل فلسطين
منذ بدء العدوان على غزة في 7 أكتوبر، برزت صنعاء كأبرز طرف عسكري خارج فلسطين يتفاعل ميدانيًا مع المجازر الصهيونية بحق المدنيين.
مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ أطلقتها القوات اليمنية باتجاه "إسرائيل"، وضربت موانئها ومطاراتها، وأربكت عمقها، وجعلت من البحر الأحمر ميدانًا مكشوفًا للردع والمفاجأة.
لكن الجديد هذه المرة، هو سلاح "فلسطين 2"، وهو صاروخ باليستي فرط صوتي، أي عالي السرعة يصعب على القبة الحديدية اعتراضه، في نقلة نوعية لقدرات المقاومة اليمنية.
المطار المستهدف لم يكن عسكريًا فقط، بل هو أحد أهم المفاصل الحيوية لحركة الطيران الصهيوني، ما أدى – حسب بيان صنعاء – إلى توقفه، وحالة من الفزع الجماعي في الداخل الإسرائيلي.
لم يمر هذا الدعم العسكري مرور الكرام في فلسطين، إذ خرج أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، بتصريح غير مسبوق في توقيته ومضمونه، حيّا فيه اليمن قيادةً وشعبًا ومجاهدين، وأكد أن "الضربات اليمنية تسند المقاومة في غزة وتربك العدو، وتفتح جبهات متعددة تُخفف الضغط عن الميدان".
هذه الكلمات لم تكن مجاملة، بل اعتراف من غرفة العمليات الموحدة للمقاومة بأن اليمن بات اليوم فاعلًا استراتيجيًا حقيقيًا في معركة "طوفان الأقصى"، وأن صوته يُسمع، وفعله يُحسب.
تقول الأرقام إن الصواريخ اليمنية عطّلت موانئ "إيلات" و"أشدود"، وخفّضت حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وأجبرت شركات كبرى على إعادة حساباتها. والآن، ومع دخول صاروخ فرط صوتي المعركة، تُثبت صنعاء أنها تمتلك القدرة على تطوير أدوات الردع، وكسر الهيمنة الجوية التي طالما تفاخرت بها "إسرائيل".
لكن الأكثر أهمية، هو أن هذا الدعم يتزامن مع مجازر علنية يرتكبها الاحتلال في غزة، آخرها استهداف طوابير الجائعين عند نقاط توزيع المساعدات في خانيونس ، لتُقتل الضحايا وهم يحملون كيس الدقيق، في مشهدٍ يصفه الفلسطينيون بأنه "قنص على الجوع".
هنا، يُفهم معنى الضربة اليمنية… ليست فقط عسكرية، بل أخلاقية، إنسانية، وموقف من أمةٍ تتفكك عواصمها بينما تبقى صنعاء شوكةً في حلق المشروع الصهيوني.
الرسالة إلى الأمة
في بيانه، أهاب العميد سريع بالأمة العربية والإسلامية "أن تخرج عن صمتها، وأن تنتصر لغزة، فإن لم يكن من أجل الدين، فليكن من أجل العروبة، وإن لم يكن من أجل العروبة، فمن أجل الإنسانية".
ولعل أخطر ما قاله في خطابه هو التحذير من أن الدور لن يتوقف عند غزة، بل سيصل إلى بقية العواصم إذا ما سُمح للعدو بتنفيذ مخططاته في القطاع… وهو ما يعكس الوعي الاستراتيجي بأن المعركة ليست محلية، بل كونية، تبدأ من فلسطين ولا تنتهي بها.
في زمن تتهاوى فيه المواقف، وترتفع فيه أصوات التطبيع فوق أنقاض غزة، يُصرّ اليمن المحاصر أن يقاتل من أجل القضية التي باعتها بعض الأنظمة. يطلق صاروخ "فلسطين 2"، ليقول: نحن هنا، لا نتفرج. نحن نقاتل، لا نساوم.