هل شاهدت من قبل طفلاً يجلس في ظلّ جدار مهدم، يتكئ على عظامه، بعينين واسعتين لا تحملان سوى سؤال واحد: "هل سيأتي دوري اليوم؟"
في غزة، لا أحد يسأل: هل هناك مجاعة؟ بل: من التالي الذي سيموت جوعًا؟
لكن العالم المتحضر ما زال يطلب "أدلّة"!
يريد نموذجًا إحصائيًا، ورسومًا بيانية، وتقارير ميدانية موثّقة، و... شهادة وفاة مطابقة لمعايير المجاعة الثلاثة التي وضعها خبراء تصنيف الأمن الغذائي (IPC):
1. أن يعاني 20% من السكان من نقص حاد في الغذاء.
2. أن تصل نسبة سوء التغذية الحاد لدى الأطفال إلى 30%.
3. أن يموت شخصان بالغين أو أربعة أطفال من كل 10,000 يوميًا بسبب الجوع أو الأمراض المرتبطة به.
أيها السادة في المكاتب الزجاجية العالية:
غزة تجاوزت هذه الأرقام منذ شهور.
620 إنسانًا ماتوا جوعًا.
71 طفلًا لفظوا أنفاسهم الأخيرة بلا حليب، بلا دواء، بلا حضن يطمئنهم أن هناك غدًا.
أكثر من 650 ألف طفل مهددون بالموت البطيء، منهم 60 ألفًا في مراحل شديدة الخطورة، بينما تبحث فرق التصنيف المتكامل عن "أوراق اعتماد" للمجاعة!
هل المجاعة تُقاس بالأرقام فقط؟ أم يُقاس الجوع بدموع أمّ فقدت أطفالها وهم يئنّون أمامها كأوراق الخريف؟
هل يحتاج الجوع في غزة إلى "ختم رسمي" كي يصبح جوعًا حقيقيًا؟!
هل تموت الضحية مرّتين؟ مرة من التجويع، ومرة من إنكار العالم موتها!
في غزة، أكثر من 700 إنسان قُتلوا على يد الاحتلال فقط لأنهم ركضوا خلف شاحنة مساعدات تابعة لمؤسسة إنسانية.
أي إنسانية؟ تلك التي تتطلب ثلاث شهادات موت وتوقيع موظف في الأمم المتحدة ليصبح الجوع قانونيًا؟!
برنامج الأغذية العالمي قالها بوضوح:
"الغذاء موجود عند الحدود، والناس تموت في الداخل."
والأمم المتحدة قالت:
"نحن نخشـى من خطر المجاعة... لكنها لم تُعلَن رسميًا بعد."
أما الحكومة الفلسطينية، فقد أعلنت غزة منطقة مجاعة منذ مايو 2025.
لكن من يهمه إعلان حكومة محاصرة، ما دام ختم نيويورك لم يصل بعد؟!
في غزة، المجاعة لا تنتظر "التقارير النهائية".
الموت لا يطلب موعدًا، ولا يستأذن "هيئات التصنيف".
في غزة، الطفل يُولد بلا حليب...
يمشي بلا طعام...
يموت بلا صدى.
ثم تنتظر الأمم المتحدة أن تُؤكَّد الأرقام.
غزة لا تطلب "إعلان مجاعة".
بل تطلب فقط:
أن يُعلن العالم أن الفلسطيني بشر.
وهذا، يبدو حتى الآن، شرطه أعقد من كل معايير المجاعة.