قائمة الموقع

زيارات مؤجلة .. المجاعة تقطع صلات الرحم في غزة

2025-07-24T13:02:00+03:00
الرسالة نت _ خاص

في قطاع غزة، حيث بات الجوع الزائرَ الوحيد، لم تعد زيارات العائلات لبعضها طقسًا اجتماعيًا مألوفًا، بل تحولت إلى رفاهية مؤلمة يعجز كثيرون عن تحملها، أو عبء يسعى البعض إلى تجنبه، حفاظًا على ماء وجه الأحبة ودرءًا للحرج المتبادل.

داخل إحدى الغرف المتواضعة في حي الشيخ رضوان، تجلس أم محمد (68 عامًا) تنظر إلى باب منزلها بحسرة، وقد غابت عنها زيارة ابنتها المتزوجة منذ أسابيع.

تقول لـ"الرسالة نت": "كانت تأتي كل أسبوع مع أطفالها، لكن الحال تبدّل. لم يعد لديها ما تطعمهم هنا، ولا أملك ما أقدّمه لهم. ضيق الحال دفعها لتخفيف الزيارات، وفي كثير من الأحيان تأتي وحدها بزيارة خاطفة للاطمئنان عليّ".

كلمات الأم تلخص واقعًا مريرًا فرضته المجاعة التي تضرب القطاع منذ أشهر، بعد أن ضيّق الاحتلال الخناق ومنع دخول المواد الغذائية، فارتفعت أسعار ما تبقى من طعام إلى أرقام خيالية، وغابت مظاهر الكرم والضيافة التي كانت جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الغزيين.

**الزيارة تتحول إلى عبء

في مدينة دير البلح، تروي إيمان، وهي أم لثلاثة أطفال، كيف أصبحت تفكر ألف مرة قبل زيارة والدها المريض المقيم عند شقيقها في خيمة:"لم أعد أزوره كما كنت، لأنني أعلم أنهم لا يملكون ما يطعمون أنفسهم، ولا أستطيع الذهاب بثلاثة أطفال جائعين دون أن أحمل معهم ما يسد رمقهم."

تضيف إيمان بصوت مكسور: "أحيانًا أشعر أن زيارتي لهم تؤلمهم أكثر مما تفرحهم. فلا طعام ولا مكان لاستقبالي. لذلك، أُفضّل أن أبقي الودّ عبر الهاتف فقط."

في القطاع، تسببت المجاعة في إعادة تشكيل العلاقات العائلية، إذ أدى العجز عن تبادل الضيافة، والحرج من عدم القدرة على إكرام الزائر، إلى تقليص الزيارات أو انقطاعها، خاصة بين العائلات الممتدة.

الزيارات التي كانت تُقام بدافع المواساة أو لَمّ الشمل أو الاطمئنان على كبار السن، باتت مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

 ***ضيافة مُرّة

في غزة التي عُرفت بالكرم، لم تعد طقوس الضيافة كما كانت. حتى القهوة، التي كانت أول ما يُقدَّم للزائر، غابت عن طقوس الاستقبال، فيما تركت أسعار السكر الخيالية مرارة في كاسات الشاي، كما الحياة في هذه البقعة التي تُركت تواجه مصيرها وحيدة.

في حي النصر غرب غزة، تجلس أم حسام أمام موقد صغير، وقد خلت خزانتها من السكر منذ أسابيع، فيما احتفظت بعلبة قهوة فارغة. تقول لـ"الرسالة نت":

"جاءنا ضيف من أقربائنا بعد غياب، لكنني لم أجد ما أقدّمه له. لا قهوة ولا حتى سكر لأُحلّي كوب شاي. في غزة.. أصبح الشاي المُرّ عنوان الزيارة، والاعتذار الصامت صار بديلًا عن فنجان القهوة."

ولا تكتفي المجاعة في غزة بسلب لقمة العيش، بل تسلب معها دفء العائلة، وصلة الرحم، والمشاعر التي كانت تتغذى على لقاء الأحبة. وبين ألم الجوع وحرج الزيارة، تبقى البيوت حزينة، والأبواب موصدة بانتظار "لقاء مؤجَّل" قد يُطيل الغياب.. أو لا يأتي.

بدورها، قالت منظمة العفو الدولية إن (إسرائيل) تواصل استخدام التجويع أسلوبَ حرب وأداةً لارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة.

وأضافت المنظمة في بيان أن معاناة الجائعين في غزة تتفاقم بفعل نظام توزيع المساعدات الإسرائيلي، المُستخدم سلاح حرب مدمّرًا، مشيرة إلى أن "إسرائيل تتعمد تجويع الفلسطينيين، ويجب وقف الإبادة الجماعية في غزة فورًا".

وأكدت أن على إسرائيل رفع القيود عن دخول المساعدات فورًا، والسماح للأمم المتحدة بتوزيعها، كما يجب أن يُتاح للفلسطينيين في غزة الحصول على المساعدات دون قيود وبشكل آمن.

وأضافت المنظمة أن على الدول أن تخرج عن صمتها وتتحرك بشكل عاجل لضمان امتثال إسرائيل الكامل للقانون الدولي.

ويُشار إلى أن إسرائيل تحاصر قطاع غزة منذ 18 عامًا، فيما بات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.2 مليون بلا مأوى، بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشنّ إسرائيل حرب إبادة جماعية في غزة، خلّفت أكثر من 202 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح – معظمهم من الأطفال والنساء – وما يزيد على 9 آلاف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين.

وقد ارتفع العدد الإجمالي لحالات الوفاة بسبب المجاعة وسوء التغذية في قطاع غزة إلى 113 حالة حتى اللحظة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00