قائمة الموقع

خطفتهما مجزرة (الباقة)... حكاية هادي ومعتز الأخوين اللذين رحلا معًا!

2025-07-25T15:46:00+03:00
غزة - خاص الرسالة نت

في مساءٍ صيفيٍ من مساءات غزة التي لا تحمل من الصيف سوى حرارته الحارقة، جلس الأخوان هادي ومعتز أبو دان في مقهى (الباقة) على شاطئ بحر مدينة غزة، يبحثان عن بعض الراحة بعد يوم من العمل الشاق، كما يفعلان كل يوم.
لم يكونا هناك للهوٍ أو ترفٍ، بل في عملهما المعتاد. كانا يحملان الأكواب ويبتسمان للزبائن، يعملان بجهد، كما اعتادا منذ الطفولة. لكنّ البحر في ذلك اليوم لم يكن هادئًا، فقد حمل الموج معه دخان القصف، وصراخًا لم يخفت حتى بعد أن خمدت النيران.

مجزرة (الباقة)، كما أصبحت تُعرف، هي واحدة من أبشع صور الإبادة اليومية التي يتعرض لها أهل قطاع غزة، حين قصفت طائرات الاحتلال (الإسرائيلي) مقهى شعبيًا بسيطًا يرتاده شبّان لا يملكون أكثر من هذا الممرّ البحري ليكسبوا لقمة عيشهم. وفي لحظة مفاجئة تحوّلت الطاولات إلى حطام، والأكواب إلى شظايا، وأجساد العمّال والزبائن إلى أشلاء.

ومن بين الضحايا... كان هادي ومعتز، الأخوين اللذين لم يفترقا يومًا، لا في البيت، ولا في العمل، ولا حتى في الشهادة.
تقول أمهما، وعيونها تفيض حنينًا: "في ذلك اليوم، ارتديا أجمل ملابسهما... كنت أنظر إليهما وأرى فيهما نورًا غريبًا، جمالًا لم أعهده، كأنهما يستعدان للرحيل إلى السماء."

كانت تعلم أن الدنيا لم تكن سهلة عليهما. إذ بدأ كل منهما العمل في سن الثانية عشرة، ليعينوا أمهم في حياة قاسية، مع أبٍ مريض لا يقوى على العمل، وبيتٍ يئن من ضيق الحال.
عملا سويًا في نفس المكان، في مقهى (الباقة)، براتبٍ يومي لا يتعدّى ٣٥ شيكلًا، لكنهما كانا راضيين، مبتسمين، شاكرين، قبل أن يُدَّمر كل شيء، في لحظة واحدة!

تتابع الأم، وهي تصف تلك اللحظة المفجعة: "سمعت صوت القصف، لم أتخيّل أبدًا أنه عند المقهى... لكن سمعت شباب الحارة يتحدثون بصوت منخفض خلف الباب، فتحت الباب وسألتهم، لم يجبني أحد، فقط كانت نظراتهم تقول كل شيء."
وتكمل القول "ركضت مع ابنتي إلى شاطئ البحر، كنت أركض دون وعي، حتى رأيت ابني هادي يُحمَل على أكتاف الشباب، تمنيت أن أكون مكانه، أن آخذه بين ذراعي، أن أصرخ: هذا ولدي!"

وتضيف "لكن المأساة لم تكتمل بعد... حيث ذهبت برفقته إلى مستشفى الشفاء، وكنت أظن أن المصيبة فقدان هادي فقط... لم يخطر ببالي لحظة أن معتز أيضًا قد رحل، لم يكن أمامي، لم أره يُحمل، فقلت لروحي: الحمد لله أنه بقي لي معتز."
وتستدرك بالقول "لكن عندما وصلت المستشفى... قالوا لي: "وحتى معتز... شهيد!! شعرت أن الأرض انشقت تحت قدمي، أن قلبي انفجر في صدري، وأنني أُنتزع من الحياة."

لم تصرخ الأم المكلومة، لم تلطم، فقط بكت برقة، كما لو أنها تعرف أن صوت الألم لا يُغيّر شيئًا في هذا العالم الظالم.
هادي ومعتز لم يكونا مجرد اسمين في لائحة شهداء لا تنتهي، بل كانا قلبًا واحدًا توزّع على جسدين، عاشا معًا كأصدقاء، وكافحا كرجال، واستشهدا كأبطال.
ما يواسي الأم اليوم أنها تعرف أن أولادها "ما قصّروا، وعملوا اللي بقدروا عليه، وراحوا وهم رافعين راسي." كما تقول.

أما مقهى (الباقة)، الذي كان ملاذًا للفقراء والبسطاء، فقد تحوّل إلى شاهد على جريمة جديدة تُضاف إلى سجلٍ طويل من المجازر.
في تلك اللحظة، لم يكن في المكان سلاح، ولا جنود، فقط فتيان يحملون صواني القهوة، وأحلامًا صغيرة... اختُزلت في لحظة إلى دماء على بلاط البحر.

غزة، المدينة التي اعتادت الوداع، ودّعت هادي ومعتز بصمت موجع. أما أمهما، فودّعتهما بدعاء أمٍ مفجوعة:
"يا رب، اجمعني بهما في الجنة... برحيلهم فقدت كل شيء."

اخبار ذات صلة