قائمة الموقع

أجساد الأطفال النحلية قد لاتسعفهم للنجاة

2025-07-28T20:40:00+03:00
الرسالة نت_ خاص

في ظلّ مجاعة خانقة تعصف بقطاع غزة منذ شهور، لم تعد المشكلة تقتصر على انعدام المواد الغذائية وحليب الأطفال، بل تجاوزت ذلك إلى ما وصفه أطباء ومختصون بـ"مرحلة اللاعودة" بالنسبة لعدد من الأطفال، الذين أنهك الجوع أجسادهم الهزيلة إلى حدٍّ لا يمكن معه حتى للغذاء أن يُنقذهم.

 

***فات الأوان

تتوالى التحذيرات من داخل المستشفيات والنقاط الطبية المنتشرة في القطاع، بأن بعض الأطفال الذين عانوا من الجوع المطوّل باتت أجسادهم غير قادرة على الاستجابة للعلاج أو التغذية، حتى لو كُسرت المجاعة ودخلت المساعدات الغذائية والطبية المطلوبة.

وأكد الأطباء أن الحديث لم يعد يدور عن نقص الغذاء فقط، بل عن أجساد وصلت إلى مرحلة من الضمور العضلي وضعف المناعة، تجعل استجابتها لأي علاج أو تغذية شبه معدومة.

وفي السياق، قال الدكتور سعيد صلاح، المدير الطبي لمستشفى جمعية أصدقاء المريض الخيرية، إن سوء التغذية يؤثر على كل خلية في جسم الطفل، نظرًا لكونهم في مرحلة نمو، كما يتأثر نموهم العقلي، وقد يصبح الطفل انطوائيًا أو عدوانيًا نتيجة تأثيرات سوء التغذية على الدماغ.

وبيّن الطبيب المختص بالأطفال أن الحالات المصابة بسوء التغذية الحاد تفقد القدرة على الحركة والنمو، وتعاني من التهابات وأمراض جلدية، وضعف في المناعة والقرنية، وعدم وضوح في الرؤية نتيجة نقص الفيتامينات.

ووفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية، فإن الطفل الذي يدخل في مرحلة الهزال الحاد الشديد دون تدخل فوري وفعّال، يكون معرضًا بنسبة عالية للوفاة، حتى لو بدأ تلقي الغذاء بعد فوات الأوان.

وتشير بيانات طبية محلية إلى أن نسبة من الأطفال المصابين بسوء التغذية في غزة قد تجاوزت الخطوط الحمراء، دون أي مؤشرات على تحسّن قريب، في ظل استمرار الحصار ومنع دخول حليب الأطفال والمكملات الغذائية الأساسية.

 

**الرضّع في خطر

لا تقتصر الكارثة على الأطفال المرضى فقط، بل تمتد إلى الرضّع الذين تعتمد حياتهم على الحليب الصناعي، في وقت لم تعد الأمهات قادرات على الإرضاع الطبيعي نتيجة سوء تغذيتهن، أو بفعل القصف والصدمة والمرض.

تقول إحدى الأمهات من شمال القطاع، وتطلب عدم ذكر اسمها:

"طفلي لا يتجاوز الشهرين، ومنذ ولادته لم أتمكن من إرضاعه سوى أيام قليلة. بحثت عن علبة حليب دون جدوى. بدأ جسده ينحلّ أمامي".

وتتابع الأم:"بدأت أخاف من المضاعفات عليه. أشعر أنه لا يستجيب لنظراتي، ولا للمؤثرات الخارجية".

وفي بقعة أخرى من القطاع المجوّع، وتحديدًا في منزل مكوّن من غرفة واحدة في مخيم الشاطئ غرب غزة، تجلس أم محمود، أم لثلاثة أطفال، بينهم الرضيع "براء" البالغ من العمر 7 أشهر، والذي يزن 4 كغم فقط، أي نصف الوزن الطبيعي لعمره.

تقول الأم:"انقطع الحليب منذ أكثر من شهرين، وحليب الأم لم يعد موجودًا بعد أن جفّ صدري بسبب الجوع والتعب. حاولت أن أطعمه مغلي الأرز، والعدس، لكن كل ذلك لا يغني عن الحليب".

بدوره، حذّر الدكتور محمد أبو ندى، استشاري أول في طب الأعصاب والدماغ للأطفال، من تداعيات خطيرة لسوء التغذية المتفاقم في قطاع غزة، خاصة على الأطفال حديثي الولادة والرضّع، في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب والحصار، واستمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الغذائية والدوائية، بما فيها المكملات الضرورية.

وقال أبو ندى إن سوء التغذية لا يؤثر فقط على صحة الجسم بشكل عام، بل يُحدث أضرارًا جسيمة على مستوى الدماغ والجهاز العصبي، خصوصًا في السنوات الأولى من عمر الطفل، التي تُعدّ حاسمة في تكوين الخلايا العصبية والنمو العقلي والحركي.

وأشار إلى أن نقص البروتينات، والدهون الصحية، والفيتامينات مثل فيتامين B12، بالإضافة إلى عناصر أساسية كاليود، والحديد، وأحماض الأوميغا 3، يؤدي إلى تأخر في الزحف، والجلوس، والمشي، والنطق، إلى جانب صعوبات في التركيز والتعلّم لاحقًا.

وأوضح أن سوء التغذية قد يتسبب في تلف الأعصاب الطرفية واضطرابات سلوكية، مثل العصبية المفرطة، والانطواء، وضعف التفاعل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن هذه الأضرار قد تُفضي إلى إعاقات دائمة إذا لم تُعالج في وقت مبكر.

وشدّد استشاري طب الأطفال على أهمية الرضاعة الطبيعية والطعام المتوازن في دعم النمو السليم، لكن الواقع المعيشي في غزة يجعل تحقيق ذلك شبه مستحيل، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وسوء تغذية الأمهات، وندرة الحليب، والبيض، والمواد الأساسية.

وتابع:"هناك أطفال فقدوا القدرة على المشي، وظهرت عليهم أعراض سلوكية شبيهة بالتوحّد، بسبب النقص الكبير في الوزن".

وأشار إلى أن القطاع يشهد نقصًا حادًا في المكملات الغذائية الضرورية للأطفال والحوامل، بسبب إغلاق المعابر، ما يُفاقم الأزمة الصحية ويُهدد جيلاً كاملاً بعواقب طويلة الأمد.

ولفت أبو ندى إلى أن نقص التغذية لا يؤثر فقط على الوزن، بل يؤدي إلى ضعف شديد في المناعة، ما يجعل الأطفال عرضة لأمراض معدية متكررة.

ووفق تقرير لمنظمة "أوتشا" في يوليو 2025، فإن أكثر من 90% من أطفال غزة تحت سن الخامسة يعانون من شكل من أشكال سوء التغذية، بينهم ما يقارب 18,000 طفل مصنّفون في حالة سوء تغذية حاد وخطير.

وتقدّر "اليونيسف" أن أكثر من 3,500 طفل معرّضون لخطر الوفاة بسبب الهزال الشديد وغياب المكملات العلاجية الضرورية.

وسجلت وزارة الصحة في غزة أكثر من 270 وفاة لأطفال دون سن الخامسة منذ بداية العام، معظمها مرتبطة مباشرة بالجوع أو مضاعفاته.

ليست المجاعة مجرد مشهد من مشاهد الحرب. إنها حكم بالإعدام البطيء على جيل بأكمله، تبدأ آثاره بالضعف والهزال، وتنتهي بقلوب صغيرة تتوقف عن الخفقان

اخبار ذات صلة