أطلق الجنرال الإسرائيلي المتقاعد "يسرائيل زيف"، الرئيس السابق لشعبة العمليات في هيئة الأركان العامة، تحذيراً شديد اللهجة من حالة التخبط التي تعيشها (إسرائيل) في حربها المستمرة على قطاع غزة، مؤكداً أن الحكومة "فقدت البوصلة تماماً"، وأن الكيان يسير نحو هزيمة استراتيجية كبرى على المستويين السياسي والأخلاقي.
وصف زيف في مقاله الذي نشرته قناة N12، التحوّل الدراماتيكي في أهداف الحرب بأنه كارثي. فبينما كانت البداية تحت شعار "تحرير الأسرى"، تحوّلت المعركة تدريجياً إلى "حرب تجويع" عبثية فقدت أي شرعية.
وقال: "يمكن تبرير حرب طويلة الأمد ضد المسلحين، لكن لا يمكن تبرير موت الأطفال جوعاً"، مؤكدًا أن هذا التحول أجهز على آخر ذريعة لإطالة أمد العمليات العسكرية في غزة.
وأضاف أن (إسرائيل) ارتكبت "خطأ استراتيجياً قاتلاً" حين اعتمدت التجويع كوسيلة ضغط، ما أدى إلى كارثة إنسانية شوهت صورتها عالميًا، ودفعت العالم نحو اصطفاف غير مسبوق ضدها.
حملة عالمية تندد بتجويع غزة
وأوضح زيف أن الانتقادات العالمية التي كانت في السابق متفرقة، أصبحت اليوم "حملة عالمية ضد إسرائيل"، مشيرًا إلى أن هذه الحملة ستبلغ ذروتها في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة، التي من المتوقع أن يُطرح فيها ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بدعم أكثر من 140 دولة.
ولفت إلى أن دولًا رئيسية في أوروبا، من بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا، تتزعم هذا التوجه العالمي، وسط تصاعد الأصوات الدولية التي تطالب بإنهاء الحرب والمجاعة، والاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين.
حمّل زيف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي مجرم الحرب بنيامين نتنياهو المسؤولية المباشرة عن الوضع الراهن، قائلاً إن سياسة "تقزيم القضية الفلسطينية" التي انتهجها على مدار عقد كامل، انفجرت في وجه (إسرائيل)، وتحوّلت إلى وبال سياسي ودبلوماسي وعسكري.
وأوضح أن سلسلة الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة في إدارة المعركة، أعطت حركة حماس فرصة ذهبية لتحقيق "نصر سياسي"، مشيرًا إلى أن الحركة أصبحت تستفيد من الضغوط الدولية المتزايدة، دون الحاجة لتقديم تنازلات أو الإفراج عن أي أسير.
الجيش يتلطخ بحرب غير أخلاقية
واعتبر الجنرال زيف أن أكثر ما يثير القلق هو الضرر العميق الذي ألحقته الحرب بصورة الجيش الإسرائيلي، الذي كان قد بدأ يتعافى من صدمة السابع من أكتوبر، وحقق "إنجازات عملياتية" في غزة وإيران.
لكن اليوم، وبفعل سياسة التجويع، يرى زيف أن الجيش فقد هويته الأخلاقية: "الجيش الذي افتخرنا به كجيش أخلاقي، يُنظر إليه الآن كجيش غير أخلاقي"، وهو أمر من شأنه أن يقوّض ثقة الجمهور فيه، ويزيد من الاحتجاجات حتى داخل المجتمع العربي في الداخل.
الفرصة الأخيرة: المبادرة المصرية
وفي ختام مقاله، دعا زيف الحكومة الإسرائيلية إلى التوقف عن إدارة الحرب وفق اعتبارات سياسية وانتخابية، محذرًا من أن الاستمرار في هذه الطريق سيؤدي إلى "تعظيم الخسائر"، وضياع كل ما تحقق من مكاسب.
وقدم ما وصفه بـ"الفرصة الأخيرة" للخروج من الورطة: المبادرة المصرية، التي تقوم على تشكيل حكومة تكنوقراط في غزة، وإبعاد حماس عن الحكم، بما يتيح لـ(إسرائيل) إنهاء الحرب بشيء من الكرامة، وربما تحقيق إنجاز في ملف الأسرى.
وأكد أن الفشل في اقتناص هذه المبادرة سيقود حتماً إلى الهزيمة السياسية والعسكرية والأخلاقية.
ويمثل هذا المقال واحدًا من أشد الانتقادات العلنية الصادرة عن مؤسسة عسكرية إسرائيلية ضد أداء الحكومة في الحرب على غزة. ويعكس تغيرًا في المزاج داخل النخبة الأمنية، التي بدأت ترى أن الاستمرار في الحرب دون أفق سياسي واضح، لا يُنتج سوى العزلة الدولية والانهيار الداخلي.