استكمالاً لاغتيال الصحة.. ثلاث قذائف تغتال المسعف عمر اسليم في الهلال الأحمر بخانيونس

متابعة_الرسالة نت

كانت الساعة تقترب من الواحدة فجراً حين اخترقت القذيفة الأولى سماء خانيونس، واستقرت في الطوابق العليا من مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بمدينة الأمل. المكان الذي كان قبل لحظات يعجّ بالهدوء والعمل الصامت لطواقم الإغاثة، تحول فجأة إلى كومة من الدخان والزجاج المتناثر.

لم يكن القصف عادياً. لقد كان انتقامياً، وحشياً، يتعمّد ضرب يد الرحمة في قلبها. لم تكد الأيدي المنهكة تلمس الحطام بحثاً عن زملائهم العالقين، حتى جاءت القذيفة الثانية، لتصيبهم أثناء وقوفهم فوق أنقاضهم. لم يكن الاحتلال يريد تدمير المبنى فقط، بل أراد أن يصطاد أولئك الذين يهرعون نحو الحياة وسط الموت.

في الطابق الأول، عند الساعة 1:07 فجراً، كانت محاولات الإطفاء جارية. كان عمر منصور حمدان اسليم هناك، يركض بين ألسنة اللهب، يبحث عن طريق يوصله إلى رفاقه العالقين فوق. القذيفة الثالثة كانت بانتظاره. لقد سقط عمر شهيداً، لكن جثمانه لم يُنتشل دفعة واحدة. فقد تفرّق دمه على مراحل، مرة تحت الأنقاض فجراً، ومرة أخرى في الصباح، كأن الاحتلال أراد أن يكتب بدمه رسالة طويلة من الألم.

ثلاثة آخرون أصيبوا، بعضهم من طواقم الهلال الأحمر الذين لطالما حملوا المصابين على أكتافهم، وبعضهم من الجيران الذين كان منزلهم خطيئة أخرى في عين المحتل. واحد منهم فقد قدمه، فيما بقيت صرخاته تحاول اختراق جدران الصمت الدولي.

الغرف الإدارية، غرفة الكوارث، غرفة المتطوعين، كلها تحولت إلى أكوام رماد. لم تكن القذائف تستهدف الحجارة بقدر ما كانت تلاحق فكرة الإنسانية ذاتها. تعذر الوصول للطوابق العليا، ليس فقط بسبب القصف المستمر، بل لأن الاحتلال أراد أن يترك المشهد نصف مفتوح، كجريمة معلّقة على صدر العالم.

جمعية الهلال الأحمر هرعت لنقل الطواقم إلى مستشفى الأمل، لكن أي أمل بقي لهم بعد أن باتت المستشفيات ميداناً مكشوفاً لنيران القتلة؟ الأطباء الذين لطالما خاطبوا الجراح بضماداتهم أصبحوا اليوم هم أنفسهم جرحى، والإسعاف الذي يحمل الحياة بات بحاجة لمن ينقذه.

إن استهداف مقرات الإغاثة والمستشفيات ليس خطأ عسكرياً كما يحاول العالم أن يُقنع نفسه، بل هو فعل متعمَّد، ممنهج، يعبّر عن مستوى من الوحشية لا يتسع له وصف. هذا ليس قصفاً على مبنى.. إنه قصف على فكرة الرحمة نفسها.