كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، في تقرير صادم، عن أرقام غير مسبوقة توثق حجم الانهيار النفسي الذي يعانيه جنود الاحتلال الإسرائيلي عقب مشاركتهم في المجازر والإبادة الجماعية المستمرة ضد سكان قطاع غزة. ووصفت الصحيفة هذه المعطيات بأنها "كارثة وطنية"، محذّرة من تفاقم الأزمة خلال الفترة المقبلة.
بحسب التقرير، فإن وزارة الأمن الإسرائيلية (وزارة الحرب) سجلت ارتفاعًا حادًا في أعداد الجنود المصابين بأمراض واضطرابات نفسية، حيث يعاني أكثر من 10 آلاف جندي من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، تم الاعتراف رسميًا بـ3769 حالة منهم حتى الآن.
وتشير التقديرات إلى أن العدد قد يتجاوز 100 ألف جندي مصاب أو معاق خلال أقل من عامين، نصفهم على الأقل يعانون من أمراض نفسية.
وفي عام 2024 فقط، اعترف الجيش الإسرائيلي بـ1600 جندي كمصابين باضطرابات ما بعد الصدمة، بينهم 693 مجندًا في الخدمة الإلزامية، و144 في الخدمة الدائمة، و184 من جنود الاحتياط، إلى جانب نحو 500 جندي أنهوا خدمتهم بعد بدء العلاج.
وتبرز المعطيات وجود فجوة هائلة مقارنة بالحروب السابقة، إذ اعترف الجيش في حرب 2014 بـ159 حالة فقط، بينما بلغ العدد 1430 في عام 2023.
ويظهر أن شريحة الشباب هي الأكثر تضررًا، إذ أوضحت البيانات أن نصف المصابين الجدد تحت سن الثلاثين. كما تسبب تسرّب أكثر من 12 ألف جندي نظامي واحتياطي من سوق العمل في تداعيات اقتصادية سلبية واضحة.
توقعات بانفجار الأزمة النفسية في 2025
توقعت وزارة الأمن أن يصل عدد المصابين النفسيين إلى ذروته خلال عام 2025، إذ أن الأعراض تظهر غالبًا بعد عودة الجنود إلى الحياة المدنية، خاصة بين من شاركوا في معارك سابقة واعتقدوا أنهم تجاوزوا الصدمة، قبل أن تعود إليهم بقوة عقب الحرب الجارية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في وزارة الحرب قولهم إن "ما نشهده غير مسبوق"، مضيفين أن الحرب الحالية تسببت في إعادة تفعيل الصدمات النفسية القديمة لدى جنود شاركوا في مواجهات سابقة.
انهيار منظومة الدعم النفسي
سلّط التقرير الضوء على النقص الكبير في الكوادر العلاجية، إذ يوجد أخصائي اجتماعي واحد فقط لكل 750 جنديًا معاقًا نفسيًا، في وقت تعاني فيه المنظومة الطبية من نقص فادح في الأطباء النفسيين.
هذا النقص دفع السلطات إلى افتتاح مراكز علاجية جديدة قرب مستشفيات الطب النفسي، لتجنب اللجوء إلى الاحتجاز القسري داخل المصحات، إلا أن جميع هذه المراكز تعاني من الاكتظاظ.
وأُبلغ عن مئات الحالات التي وصلت إلى مراحل متقدمة من الانهيار، استدعت إدخال الجنود قسرًا إلى مؤسسات نفسية، وافتتحت في هذا السياق مراكز خاصة مثل "بيت حوفيت" لاستقبال الجنود الذين لم يعودوا قادرين على التعايش مع أسرهم.
مخاوف من موجة انتحار جديدة
أشار التقرير إلى أن مئات من جنود الاحتلال الذين شاركوا في الحرب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي وصلوا إلى مراحل حرجة من الانهيار العقلي، دفعت بعضهم إلى محاولات انتحار أو دخول قسري للمؤسسات النفسية، وسط عجز دولة الاحتلال عن تقديم الدعم اللازم، ما يهدد بموجة انتحار متزايدة في صفوفهم.
وبينما تتفاقم المعاناة النفسية للجنود، يتّضح أن كلفة الحرب على غزة لا تقتصر على الدمار والضحايا في القطاع، بل تمتد لتضرب المجتمع الإسرائيلي من الداخل، وتكشف عمق الشرخ النفسي الذي خلّفته الحرب في صفوف من شاركوا فيها.