في قلب مواصي رفح، حيث تنتهي الطرق المعبدة وتبدأ الحكايات المنسية، تقف نقطة تعليمية صغيرة تُدعى "زهرة أمل"، تصارع الجوع والتهميش بما تبقّى من إنسانية. هي ليست مجرد مكان للدراسة، بل ملاذ للأطفال والمعلمين الذين ما زالوا يؤمنون أن العلم قد يكون الطريق الوحيد للنجاة من هذا الواقع القاسي.
هنا، لا يجد الأطفال وجبة فطور، ولا يملك المعلمون ما يسد رمقهم. ومع ذلك، يأتون كل صباح بقلوبهم قبل أجسادهم، لأنهم يعرفون أن الغياب عن مقاعد الدراسة يعني خسارة مضاعفة: خسارة للمعرفة، وللأمل، وللطفولة.
يعاني معظم الطلاب من سوء تغذية حاد، في حين يواصل المعلمون التدريس رغم الإرهاق والتجويع، دون أي دعم مالي أو غذائي، ودون توفر الحد الأدنى من الأدوات التعليمية. ومع كل هذا، تفتح المدرسة أبوابها كل صباح، لتقدّم دروسًا في الصبر كما تقدّم دروس القراءة والكتابة.
داخل الغرف المصنوعة من الخشب والنايلون، تدور قصص من الصمود اليومي.
أسيل، طفلة في التاسعة من عمرها، تأتي بوجه مبتسم رغم جوعها المزمن. تحب الرسم، وتلوّن الشمس بلون الخبز الغائب عن مائدتهم منذ أسابيع. حين تسألها معلمتها عن حلمها، تجيب بثقة:
"بدي أصير دكتورة، أعالج أمي وأوفّر لها الدواء بدل ما تنام مريضة."
أما منى، إحدى المعلمات، فهي تدرّس رياض الأطفال، رغم أن معدتها فارغة منذ أيام. سقطت مرتين بسبب مضاعفات سوء التغذية، ونُقلت إلى المستشفى، لكنها ما تزال تواصل التدريس، وتقول:
"أنا مش بس معلمة، أنا أم لهم… لو سقطنا إحنا، شو بيضل إلهم؟"
المدرسة تعاني من شح حاد في الموارد: لا طعام، لا ماء نظيف، لا تدفئة شتاءً، ولا تبريد صيفًا. لكن روح المثابرة لا تغيب. كل دفتر يُعاد استخدامه، كل قلم يُقسّم بين طفلين، وكل كتاب يُمرَّر من يد إلى يد وكأنه كنز.
ورغم ضيق المكان وقسوة الظروف، وصل عدد طلاب "زهرة أمل" إلى 800 طالب، بينما تضم المدرسة الصيفية حاليًا نحو 350 طالبًا يتلقون دروسًا تأسيسية وعلاجية وتفريغًا نفسيًا، موزعين على 9 شعب دراسية، ويشرف عليهم 24 معلمًا وعاملًا، يعملون جميعًا دون أجر منتظم أو موارد كافية.
توجد المدرسة داخل مخيم "رفح الخير"، أحد أكثر المناطق تهميشًا في جنوب قطاع غزة. المخيم يضم نحو 350 عائلة لم تتلقَ أي مساعدة منذ ما يقارب ثلاثة أشهر. لا توجد فيه تكية توفر الطعام كما في بعض المخيمات الأخرى، ولا مياه شرب نظيفة تكفي لاحتياجات السكان.
يخرج الآباء فجراً بحثًا عن لقمة مغمسة بالخطر، إما عند نقاط توزيع المساعدات، أو قرب مصائد الموت، بينما تخبز الأمهات على نار الحطب، ويغسلن وجوه الأطفال بماء ملوث، ويغنين كي لا يسمع الصغار صوت الجوع.
في هذا الواقع القاسي، لا تُقاس الحياة بعدد الأيام، بل بعدد لترات المياه النظيفة، وفتات الخبز، وساعات الصبر.
وفي قلب كل ذلك، تقف "زهرة أمل" كعنوان حيّ للمقاومة الإنسانية، وكأنها تقول للعالم:
"نحن هنا… رغم كل شيء."