قائمة الموقع

اقتصاد “التجويع”.. منظومة إبادة ممنهجة تتجاوز منع المساعدات

2025-08-09T17:33:00+03:00
متابعة_ الرسالة نت

لم يكن دخول معظم سكان قطاع غزة مرحلة المجاعة في مستواها الخامس – وهو المستوى الأشد فتكاً بالحياة – وليد اللحظة أو نتيجة منع “إسرائيل” الأخير لدخول شاحنات المساعدات الإنسانية فحسب، بل هو نتاج سياسات وإجراءات مركّبة ومدروسة بدأ الاحتلال بتنفيذها منذ اللحظات الأولى لعدوانه المستمر على القطاع، قبل نحو عامين.

ويشير الكاتب يحيى الصادق أن جوهر هذه السياسات هو الإضعاف التدريجي للبنية الاقتصادية والاجتماعية لسكان القطاع، وصولاً إلى مرحلة التجويع الكامل كأداة للإخضاع السياسي والعسكري. 

لذلك، يرى أن الأولوية الحقيقية لإنقاذ غزة لا تقتصر على إدخال المساعدات، بل يجب أن تترافق مع وقف العدوان فوراً، وانسحاب قوات الاحتلال من كامل مناطق القطاع، ورفع كل القيود التي تعرقل حركة الاقتصاد المحلي.

 

حرب على مقومات الحياة

منذ السابع من أكتوبر 2023، شدد الاحتلال حصاره المفروض منذ عام 2007، مستهدفاً – كما يوضح الصادق – كل ما يمكّن سكان غزة من الوصول إلى الغذاء والمياه والخدمات الأساسية. تضمنت الإجراءات:

منع أو تقليص دخول شاحنات المساعدات الغذائية إلى مستويات لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان.

قطع المياه والكهرباء والاتصالات والوقود، مما أصاب الحياة اليومية بالشلل.

منع وصول رواتب الموظفين والتحويلات المالية الخارجية، وعرقلة التمويل الدولي للمشاريع الإغاثية.

تقييد عمل المنظمات الإنسانية وعلى رأسها وكالة “الأونروا”، وعزل القطاع عن محيطه العربي والفلسطيني.

وفي الميدان، يضيف الصادق، استهدف العدوان الإسرائيلي البنية التحتية ومصادر الإنتاج المحلي: تدمير صوامع الحبوب، المداجن، المخابز، محطات المياه والكهرباء، المعامل والورش، وتجريف الحقول الزراعية، بما يجعل السكان معتمدين كلياً على مساعدات قد تأتي أو لا تأتي.

أهداف سياسية وعسكرية موازية

يرى الصادق أن هذه الإجراءات ليست مجرد أدوات حصار اقتصادي، بل هي جزء من استراتيجية عسكرية وسياسية مركبة تهدف إلى:

1. الضغط على فصائل المقاومة في مسار المفاوضات، لفرض الشروط الإسرائيلية.

2. إلقاء اللوم على المقاومة في المعاناة المعيشية، وإظهار الاحتلال كمصدر “منقذ” للغذاء.

3. دفع السكان نحو الهجرة القسرية كنتيجة طبيعية لانعدام الأفق وبحثاً عن النجاة.

آليات تنفيذ “اقتصاد التجويع”

يشرح الصادق أن الاحتلال اعتمد عدة أدوات لإدارة هذا الاقتصاد القاتل:

التجويع المناطقي: البدء بشمال القطاع، ثم الوسط، ثم الجنوب، متزامناً مع العمليات العسكرية، لإضعاف المجتمع تدريجياً.

دعم مجموعات خارجة عن القانون تحت غطاء حماية المساعدات، بينما دورها الحقيقي نهب المساعدات وبيعها أو تهريبها.

إنشاء “مؤسسة غزة الإنسانية” التي فشلت – حسب تقارير أممية وحقوقية – في أداء واجبها الإغاثي، وتسببت سياساتها في استشهاد المئات من منتظري المساعدات، ما أثار مطالبات واسعة بوقف عملها والتحقيق في تمويلها.

خلق فوضى منظمة: إدخال عدد محدود من الشاحنات وإجبارها على السير في محاور مكتظة، ما يعرض المدنيين للاستهداف ويثني السائقين عن تكرار الدخول.

 

النتائج المدمرة

بحسب الصادق، أسفر هذا النهج الممنهج – في ظل دعم أميركي وصمت عربي ودولي – عن نتائج كارثية:

مجاعة رسمية تشمل نحو 2.2 مليون إنسان، نصفهم في المرحلة الخامسة من الجوع، وهي مرحلة الموت المحقق جوعاً.

انهيار المنظومات الصحية والتعليمية والمرافق الخدمية الأساسية، وانتشار مياه الشرب الملوثة.

ارتفاع وفيات الأطفال والأمهات وكبار السن بسبب الجوع أو الأمراض المرتبطة به، في مشاهد تهز الضمير الإنساني.

انزلاق أكثر من 85% من السكان إلى الفقر المدقع، وهو ما يجعل آثار التجويع ممتدة زمنياً حتى بعد إدخال المساعدات.

يخلص يحيى الصادق إلى أن معالجة هذا الوضع الإنساني لا يمكن أن تتم بإجراءات إغاثية جزئية أو مؤقتة، بل تتطلب تفكيك البنية الكاملة لاقتصاد التجويع الذي بناه الاحتلال، عبر مسار متزامن يشمل: وقف العدوان، انسحاب الاحتلال من القطاع، رفع الحصار الاقتصادي، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل حر ودائم، تمهيداً لإعادة بناء البنية الاقتصادية والخدمية التي دمّرت بشكل ممنهج.

اخبار ذات صلة