شهد قطاع غزة في الأيام الأخيرة تحولا ملحوظا في آليات الدفع داخل الأسواق، يتمثل في زيادة الاعتماد على الدفع الإلكتروني مقابل تقليص التعامل بالنقد (الكاش).
هذا التوجه لا يأتي في إطار إلغاء التعامل النقدي أو رفضه، بل كخطوة عملية لمعالجة مشاكل السيولة النقدية التي يعاني منها القطاع، وللحد من بعض الظواهر المالية السلبية مثل "التكييش" التي تستغل حاجة المواطنين إلى السيولة عبر فرض رسوم أو عمولات غير مبررة.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن لهذا التحول أبعادا أخرى تتعلق بالرقابة الاقتصادية، حيث تنظر إسرائيل إليه كفرصة لمتابعة حركة المال في غزة والتحكم في أوجه الصرف تحت مبرر “محاربة غسيل الأموال”، ما يجعله جزءا من معادلة أوسع تتصل بالحرب الاقتصادية والسيطرة على الموارد.
أداة فاعلة
ومن زاوية اقتصادية فلسطينية، يعتبر الدفع الإلكتروني أداة فاعلة في تحسين حركة الأموال وتسهيل المعاملات وتقليص الخلافات الناتجة عن تداول العملات التالفة أو الفئات النقدية الصغيرة، خصوصا فئة العشرة شواكل التي يرفض كثير من الباعة والمشترين التعامل بها.
ومع أن النقد ما زال متاحا ولم يُلغَ رسميا، فإن الملموس في الشارع هو تراجع كميته المتداولة، مقابل زيادة الاعتماد على البطاقات المصرفية والتطبيقات البنكية.
وحتى العملات التالفة، بما فيها الفئات الصغيرة، لم يتم إلغاؤها قانونيا، وأي خطوة من هذا النوع تحتاج إلى فترة إشعار قانونية للمواطنين، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
وتحدث المواطن مروان عادل عن سعادته بدخول مزيد من البضائع إلى الأسواق في الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن هذه التطورات انعكست إيجابيا على توفر السلع وتحسن حركة الشراء.
وأكد عادل أن اعتماده على الدفع الإلكتروني في شراء احتياجاته اليومية أصبح خيارا مريحا وفعالا، خاصة في ظل قلة الفئات النقدية السليمة وصعوبة التعامل مع العملة التالفة.
ويرى أن هذا النظام وفّر عليه وقتاً وجهداً، وألغى الحاجة إلى البحث عن صرف الفئات الصغيرة أو الدخول في خلافات مع الباعة بشأن قبول بعض الأوراق النقدية.
وأضاف: "الدفع الإلكتروني ساعده على إدارة نفقاته بشكل أكثر دقة، حيث بات يتلقى إشعارات فورية عبر هاتفه عن كل عملية شراء، ما منحه رؤية أوضح لمصروفاته الشهرية".
هذا برأيه، يعزز الانضباط المالي لدى الأفراد ويقلل من المصاريف العشوائية، لكنه في الوقت ذاته يعتقد أن النقد ما زال مهما، خاصة في حالات الطوارئ أو في أوقات انقطاع الكهرباء والإنترنت، حيث قد يتعذر استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
وشدد عادل، على أن هذه الخطوة ليست مجرد رفاهية تقنية بل ضرورة فرضتها ظروف السوق ومشاكل النقد في غزة.
وأشار مروان إلى أن بعض الباعة الصغار أو الأكشاك لا يمتلكون حتى الآن وسائل استقبال الدفع الإلكتروني، ما يفرض على المستهلكين الاحتفاظ بقدر من النقد معهم.
واعتبر أن الحل الأمثل هو مزيج متوازن بين النقد والوسائل الإلكترونية، بحيث يستفيد الجميع دون استبعاد أي فئة من السوق.
ارتياح كبير
من جانبه، عبّر البائع فؤاد السرسك، الذي يبيع البقوليات في سوق دير البلح، عن ارتياحه الكبير للتعامل بالدفع الإلكتروني، قائلا إنه ساعده على تجنب المشاكل اليومية التي كانت تواجهه بسبب العملة التالفة.
وأوضح أن فئة العشرة شواكل كانت تمثل معضلة حقيقية في تجارته، إذ يرفض كثير من الزبائن قبولها، مما يجبره على إعادة تدويرها أو تحمل خسائر.
وأكد السرسك أن الدفع الإلكتروني جعل عمليات البيع أكثر سلاسة، إذ يتم تحويل الأموال مباشرة إلى حسابه، ما يلغي الحاجة إلى عد النقود أو التأكد من صلاحيتها.
وأشار إلى أن هذه الطريقة قلّصت بشكل كبير من الوقت الذي كان يهدر في حل الخلافات حول النقود الرديئة أو المزيفة.
أوضح أن الاعتماد على الدفع الإلكتروني قلل من حاجته للاحتفاظ بمبالغ نقدية كبيرة في متجره، وهو ما رفع مستوى الأمان وأبعد خطر السرقة أو الفقدان، لافتا إلى أن إدارة الأموال عبر الحساب البنكي تمنحه شفافية أكبر في متابعة الإيرادات والمصروفات.
ويمكن القول إن المشهد الاقتصادي في غزة يعكس توازنا هشا بين ضرورة التطوير المالي عبر الدفع الإلكتروني، والحفاظ على النقد كضمانة للمرونة في التعاملات.
وبينما يرى المواطنون والتجار فوائد عملية لهذه الخطوة، فإن الأبعاد السياسية والرقابية تضيف طبقة من التعقيد، تجعل من هذا التحول قضية تتجاوز الجانب الاقتصادي لتلامس أبعاد السيادة والرقابة المالية على القطاع.