في خيمة صغيرة تتحدى البرد والفقر في أقصى جنوب قطاع غزة، يجلس الشاب إبراهيم عبد النبي يتأمل قدماً اصطناعية صنعها بيديه، من ماسورة صرف صحي وحديدتين وأسلاك صدئة. ليست قدماً متقنة الصنع، لكنها بالنسبة له جسر عبور من العجز إلى الكرامة، ليتمكن من تلبية احتياجات أطفاله الستة، الذين لا يعرفون معيلًا غيره.
إبراهيم فقد قدمه قبل أشهر، حين أصيب بطلق ناري متفجر في منطقة العلم غرب رفح، لحظة وصوله إلى المكان للحصول على المساعدات الأمريكية. الانفجار مزق ساقه على الفور، والنزيف استمر ساعة ونصف، فقد خلالها خمس وحدات دم قبل أن يُنقل إلى المستشفى.
يقول بصوت متحشرج: "لم أحتمل رؤية أطفالي وهم يجرون جالونات الماء من بعيد، أو يبحثون عن طعام بين الخيام، بينما أنا عاجز حتى عن الوقوف.. حينها قررت أن أستعيد قدرتي على الحركة، بأي طريقة كانت."
خضع إبراهيم لاثنتي عشرة عملية جراحية في مستشفى الصليب الأحمر، وفي كل مرة كان الأطباء يضطرون لاستئصال جزء جديد من ساقه، بسبب الالتهابات الحادة وسوء التغذية. ومع كل عملية، كان حلمه بالعودة للمشي يبتعد، لكن إصراره كان يزداد.
داخل خيمته، بدأ بتجميع قطع معدنية وأسلاك، وقصّ ماسورة صرف صحي، ولَفّها بطريقة بدائية لتصبح قاعدة تشبه القدم. لم تكن مريحة، لكنها مكنته من الوقوف مجددًا، وحمل الماء والطعام لأطفاله بنفسه.
يبتسم إبراهيم رغم مرارة الألم ويقول: "أعرف أن هذه ليست قدماً حقيقية، لكنها أعادت لي جزءاً من حياتي.. وأتمنى أن أتمكن يوماً من تركيب قدم طبية لأمارس حياتي بشكل طبيعي، وأركض مع أولادي كما كنت أفعل."
في عينيه، مزيج من الفخر والحزن.. فخر لأنه صنع المستحيل بإرادته، وحزن لأن أبسط حقوقه في العلاج والحياة الكريمة ما زالت حلماً مؤجلاً.
وفي السياق يقول أحمد نعيم مدير مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعي إن الحرب (الإسرائيلية) على غزة ضاعفت عدد حالات البتر في الأطراف بنسبة تجاوزت 225%، وذلك بعدما سجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر أكثر من 6500 حالة بتر جديدة منذ بداية الحرب، في حين كان العدد الإجمالي لحالات البتر في غزة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 يبلغ ألفي حالة.
وشدد مدير مستشفى حمد في تصريحات صحفية على أن هذا العدد يفوق قدرة أي مركز طبي في القطاع على التعامل معه في الظروف الحالية، وأوضح أن القدرة الإنتاجية للمستشفى قبل الحرب كانت تتيح تصنيع نحو 150 طرفا صناعيا في السنة "وبهذا المعدل فإننا نحتاج إلى أكثر من 20 عاما لتغطية الحالات الحالية".