بعد نحو عشرين عامًا على انسحاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق المجرم أرئيل شارون من قطاع غزة عام 2005، يجد مجرم الحرب بنيامين نتنياهو نفسه اليوم في مسار معاكس تمامًا، بإعلانه خطة لاحتلال كامل القطاع، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخليًا وخارجيًا، وُصفت بأنها الأخطر منذ بدء العدوان قبل 22 شهرًا.
الخطة، التي أقرها المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي، تقوم على السيطرة العسكرية المؤقتة على غزة بذريعة "تحريرها من حكم حماس واستعادة الأسرى"، قبل تسليم إدارتها إلى سلطة مدنية أو "قوى عربية" لم تتضح هويتها بعد.
دروس شارون المنسية
ويبين الكاتب السيد شبل أن قرار شارون بالانسحاب في 2005 لم يكن خطوة تكتيكية فحسب، بل حصيلة مراجعة شاملة لحقائق الميدان وضغوط الواقع، إذ واجه الاحتلال المباشر حينها:
استنزافًا بشريًا يوميًا بفعل عمليات المقاومة.
أعباءً اقتصادية ضخمة لحماية المستوطنات المعزولة.
عزلة دبلوماسية متزايدة في المحافل الدولية.
غياب أي مكسب استراتيجي من البقاء في غزة.
شارون- حسب الكاتب- أدرك أن الانسحاب سيخفف العبء العسكري ويتيح تكريس الجهد في الضفة الغربية، مستفيدًا من "المبرر الديموغرافي" لصعوبة السيطرة الأمنية على قطاع يقطنه 1.4 مليون فلسطيني آنذاك.
خطة نتنياهو: عودة إلى المأزق
على النقيض، تأتي خطة نتنياهو في 2025 وسط رفض وتحفظ من قادة الجيش والأجهزة الأمنية، بينهم رئيس الأركان إيال زامير، الذي حذر من "فخ استراتيجي" يصعب الخروج منه، في ظل إرهاق الجيش ونقص القوى البشرية، إضافة إلى المخاطر التي تهدد حياة 24 أسيرًا إسرائيليًا.
تشمل الخطة:
إجلاء جماعي لنحو مليون فلسطيني نحو الجنوب.
تقسيم القطاع بممرات أمنية تقطع التواصل الجغرافي.
إدارة مدنية عربية مرفوضة عربيًا وشعبيًا.
تكثيف القتال الحضري عالي الكلفة والخطورة.
الواقع الميداني: بيئة أكثر تعقيدًا
الظروف الحالية أشد خطورة من 2005:
مقاومة أكثر خبرة وتكتيكًا، مدعومة بشبكة أنفاق واسعة.
كثافة سكانية تجاوزت المليونين، ما يزيد خسائر المدنيين.
دعم شعبي متجدد للمقاومة عند أي احتلال شامل.
جيش إسرائيلي مثقل بالإرهاق ونقص الاحتياط.
العقبات السياسية والدبلوماسية
ويوضح سبل أن الانقسام الداخلي بين الحكومة والجيش يترافق مع رفض المعارضة، التي ترى الخطة محاولة لكسب تأييد اليمين المتطرف وإنقاذ مسيرة نتنياهو السياسية وسط محاكمات فساد.
خارجيًا، ترفض الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودول أوروبية الخطة، وتحذر من كارثة إنسانية وعزلة دولية أعمق لـ"إسرائيل". حتى الحلفاء الغربيون يلمحون إلى إمكانية فرض قيود على الدعم العسكري.
سؤال "اليوم التالي"
يضيف الكاتب أن إمكانية إدارة عربية شبه معدومة، والإدارة الإسرائيلية المباشرة تعني مستنقع استنزاف عسكري واقتصادي يعيد سيناريو ما قبل انسحاب شارون. أما الإدارة الدولية فتبدو شبه مستحيلة في ظل الانقسام العالمي، مع رفض إسرائيلي لأي جهة تحد من حرية تحركها.
ويوضح أن إجلاء مليون إنسان، وموجات النزوح، ونقص الغذاء والدواء، ستجعل الاحتلال عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا يسرّع تعاظم المقاومة، ويفرض على الجيش مواجهة حرب يومية تستنزفه حتى الانهيار.
التاريخ يعيد نفسه
لذا يرى الكاتب أن التجارب من جنوب لبنان 2000 إلى غزة 2005 تؤكد أن الاحتلال في بيئة حضرية مكتظة لا يمكن أن يستمر، وأن الانسحاب يصبح حتميًا عاجلًا أو آجلًا.
نتنياهو، بتجاهله دروس شارون، يدخل مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بانسحاب أكثر مرارة وإذلالًا، مدفوعًا بضرورات ميدانية وسياسية لا مفر منها.