أثار قرار صندوق الثروة النرويجي، أكبر صندوق استثمار سيادي في العالم، سحب استثماراته من عدد من الشركات الإسرائيلية، صدمة قوية داخل الأوساط الاقتصادية في "إسرائيل".
القرار الذي قد يبدو في ظاهره خطوة مالية عادية، يُخفي وراءه دلالات سياسية واقتصادية أعمق، تنذر بتحولات قد تعصف بمكانة "إسرائيل" في الأسواق العالمية، وتشكّل ضغطًا متزايدًا على قطاعاتها الاستراتيجية، لا سيما التكنولوجيا الفائقة والصناعات العسكرية والأمنية.
الكاتب امطانس شحادة تناول هذا التطور في مقاله، مسلطًا الضوء على أبعاد القرار وتأثيراته المحتملة على الاقتصاد الإسرائيلي.
تفاصيل القرار النرويجي
يشير شحادة إلى أن الصندوق، الذي يدير محفظة استثمارات تبلغ نحو 1.9 تريليون دولار، قرر بيع حصصه في 11 شركة إسرائيلية من أصل 61 كان يستثمر فيها.
هذه الخطوة ليست مجرد تقليص لحجم الاستثمار، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسات الاستثمار، استنادًا إلى معايير بيئية وحقوقية صارمة يعتمدها الصندوق، تمنعه من الاستثمار في شركات متورطة بانتهاكات لحقوق الإنسان أو ضالعة في صناعات عسكرية مرتبطة بالحروب.
الكاتب يوضح أن استثمارات الصندوق في "إسرائيل" لم تكن مقتصرة على قطاع بعينه، بل شملت قطاعات حيوية تمتد من الصناعات العسكرية إلى التكنولوجيا المتقدمة والطاقة والبنوك والعقارات.
وهذا يعني أن تأثير القرار سيمتد ليشمل مختلف القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية، وليس فقط الصناعات ذات الصلة بالحرب على غزة.
أبرز الشركات المتأثرة
قدّم شحادة عرضًا للشركات التي تضررت من القرار، ومنها:
محركات بيت شيمش: مورّد رئيسي لوزارة الأمن الإسرائيلية، بلغت مبيعاته عام 2024 نحو 260 مليون دولار.
نكست فيجن: شركة متخصصة بتقنيات التصوير للطائرات المسيّرة، كانت تساهم في العمليات العسكرية بغزة.
وان تكنولوجيات للمعلومات: دخلت المجال الأمني بشراء شركة متخصصة بتحليل البيانات العسكرية.
فورمولا سيستمز: المالكة لشركة TSG، المساهمة في تشغيل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي.
سكوب للمعادن: مورّد مباشر للصناعات الجوية الإسرائيلية.
بنك هبوعليم: رغم طابعه المدني، فقد ساهم في دعم برامج وقروض لوزارة الأمن والجنود المسرّحين.
إلى جانب شركات أخرى مثل جيلات للاتصالات الفضائية، أوديوكودس، وتاور لأشباه الموصلات، مما يكشف حجم التشابك بين الاقتصاد الإسرائيلي والقطاع الأمني.
انعكاسات القرار على الاقتصاد الإسرائيلي
يرى الكاتب أن هذا التطور يثير مخاوف حقيقية داخل "إسرائيل" من أن يتحول إلى "كرة ثلج" تدفع صناديق سيادية أخرى أو شركات خاصة إلى اتخاذ خطوات مماثلة، ما يفاقم من عزلة الاقتصاد الإسرائيلي.
ويشير إلى أن صناديق تقاعد أوروبية مثل KLP النرويجي وPBU الدنماركي، اتخذت قرارات مشابهة، وأن هناك ضغوطًا متزايدة في أستراليا ونيوزيلندا لدفع صناديق سيادية إلى سحب استثماراتها من الشركات الداعمة للمستوطنات أو المتورطة في الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
"إسرائيل"، بحسب شحادة، لن تعلن قلقها صراحة، بل تحاول التقليل من وقع الخطوة، غير أن انعكاساتها قد تكون أعمق على المدى الطويل، خصوصًا في وقت تشهد فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعًا ملحوظًا منذ عام 2022، بفعل الحرب على غزة والتصعيد الإقليمي.
الاستثمارات الأجنبية وتراجعها
يوضح الكاتب أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا الفائقة.
فقد شهدت الفترة بين 2013 و2019 نموًا مطّردًا للاستثمار الأجنبي المباشر، وبلغ ذروته عام 2021 بأكثر من 30 مليار دولار. غير أن هذا الزخم بدأ يتراجع منذ 2022، ليصل في 2023 إلى 10–12 مليار دولار فقط.
في عام 2024 ارتفعت الاستثمارات قليلًا إلى 19 مليار دولار، لكنها بقيت دون المستوى المطلوب. ومع استمرار الحرب على غزة، يتوقع شحادة أن يشهد عام 2025 مزيدًا من التراجع، خصوصًا مع توسع المقاطعة الأوروبية غير الرسمية للصناعات العسكرية الإسرائيلية.
أبعاد سياسية واقتصادية
يخلص شحادة إلى أن "إسرائيل" تواجه تحديًا متصاعدًا يتمثل في الربط الدولي المتزايد بين اقتصادها وسياساتها العسكرية. فحتى الشركات المصنفة كمدنية، مثل البنوك أو شركات العقارات، تُظهر ارتباطًا وثيقًا بوزارة الأمن والجيش الإسرائيلي. ومن ثم فإن أي حملة مقاطعة أو سحب للاستثمارات سيكون لها أثر مضاعف على مختلف القطاعات.
كما يرى أن "إسرائيل" لا تستطيع الاستمرار في تجاهل اتساع نطاق سحب الاستثمارات، إذ إن ذلك يمس "عصب الاقتصاد" المتمثل في التكنولوجيا الفائقة والصناعات العسكرية، وهي القطاعات التي وفّرت النمو والوظائف والدخل الحكومي خلال العقود الأخيرة.
يؤكد الكاتب أن قرار صندوق الثروة النرويجي قد يكون بداية مرحلة جديدة في الضغوط الاقتصادية على "إسرائيل"، خاصة إذا لحقت به صناديق أخرى.
فبينما تحاول الحكومة الإسرائيلية التقليل من خطورة الأمر، تبدو المخاوف حقيقية من أن يتحول إلى عامل ضغط استراتيجي يحد من قدرة "إسرائيل" على المناورة الاقتصادية، ويجعلها أكثر عرضة للعزلة في الأسواق العالمية، ما لم تغيّر سياساتها في غزة والضفة الغربية.