في أول مرة رأيت فيها نفسي في المرآة، لم أتعرف على وجهي. بقيت صامتة لنصف ساعة ثم انهرت باكية… هذه ليست أنا ولا تشبهني.” بهذه الكلمات بدأت الطفلة مريم إبراهيمة، 12 عاماً، حديثها وهي تروي حكاية الألم التي سلبتها ملامحها وسرقت جزءاً من طفولتها، تحت وقع الإبادة الجماعية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.
مريم الطفلة النشيطة المتفوقة، تعيش في بيت بسيط مع أسرتها، أحلامها كثيرة: أن تكبر وتصبح سيدة أنيقة ترتدي أجمل الملابس، أن تواصل تفوقها الدراسي، وأن تحتفظ بشعرها الطويل الناعم الذي كانت تصنع منه جدائل مبهرة تنال إعجاب كل من يراها.
في أحد أيام الجمعة، كانت مريم تستعد للاستحمام في حمام منزلها. لم يكن في بالها سوى أن تنهي يومها بنظافة وانتعاش، لكن صوت انفجار مفاجئ قلب المشهد رأساً على عقب؛ صاروخ إسرائيلي سقط على المنزل المجاور، وتناثرت الشظايا في كل اتجاه.
إحدى تلك الشظايا اخترقت رأس مريم مباشرة. سقطت على الأرض وفقدت وعيها في الحال، هرع أفراد أسرتها وسط صرخات الخوف والدماء إلى نقلها نحو المستشفى، حيث كانت حالتها حرجة للغاية.
قضت مريم أياماً في غيبوبة بين الحياة والموت. وعندما فتحت عينيها للمرة الأولى، لم تكن تعرف حجم ما جرى. أخبرها الأطباء وعائلتها أنهم اضطروا لاستئصال جزء من الجمجمة لإنقاذ حياتها. الجراحة كانت ضرورية، لكنها تركت أثراً واضحاً: جزء من العظام يبرز خارج إطار رأسها، وشعرها الطويل اختفى بعدما اضطر الطاقم الطبي لحلقه بالكامل.
تقول مريم: “كنت أظن أنني سأعود كما كنت… لكن حين طلبت من عائلتي مرآة، شعرت وكأنني أنظر إلى شخص آخر. تلك الطفلة ذات الشعر الطويل والجدائل الجميلة لم تعد هناك. مكانها الآن طفلة حليقة الرأس، بوجه تغيّر كثير.”
لم تكن معاناة مريم جسدية فقط، بل امتدت إلى جراح نفسية عميقة. أصبحت تواجه نظرات الفضول والشفقة وحتى الخوف. بعض الأطفال يتجنبون اللعب معها، وآخرون يواجهونها بكلمات جارحة عن شكلها.
أكملت حديثها قائلة: “أحياناً أبكي في الليل وأتمنى أن أستيقظ فأجد شعري عاد كما كان. أريد أن أرتدي فساتيني الجميلة وأصفف شعري، لا أن أخفي رأسي بغطاء طوال الوقت.”
تطالب مريم بالسفر خارج غزة لإجراء عملية جراحية تعيد شكل رأسها الطبيعي وتمنحها فرصة لزراعة شعر جديد. هي لا تريد أن تكون مختلفة عن بقية الأطفال، تريد فقط أن تعود كما كانت قبل أن تسلبها الحرب ملامحها.
لامست قصة مريم قلوب كثيرين، من بينهم الصحفي عمرو طبش، الذي قرر أن يخطو خطوة رمزية للتضامن معها. حلق شعره بالكامل ليشبهها في مظهرها الحالي، وليبعث لها رسالة مفادها أنها ليست وحدها.
يقول عمرو: “أردت أن أشاركها جزءاً من معاناتها، وأن تشعر أن الجمال ليس بالشعر أو الملامح، بل بالشجاعة التي تحملها في قلبها.”
رغم كل ما مرت به، ما زالت مريم متمسكة بأملها في الغد. تحلم بيوم تنظر فيه في المرآة وتجد الفتاة التي تعرفها، تلك التي تزينها الضفائر لا الجراح. تحلم بعودة أيام اللعب مع صديقاتها دون خوف، وبأن تكون ابتسامتها هي ما يلفت الأنظار لا ندوب الحرب.