قائمة الموقع

المصور الصحفي إبراهيم ظاهر .. رفيق حتى الشهادة!

2025-08-16T19:32:00+03:00
خاص_ الرسالة نت

في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وُلد إبراهيم عبد الكريم محمد ظاهر، شاب في الخامسة والعشرين من عمره، لم يكن يعرف أن حياته ستختصر في كاميرا ورفيق واحد اسمه أنس الشريف. 

كان إبراهيم في بداياته مجرد مصمم جرافيك، يعكف على الألوان واللوحات الرقمية، لكن مسيرات العودة وكسر الحصار عام 2018 قلبت حياته رأسًا على عقب. هناك التقط أولى صوره للدم والدخان، وهناك وجد في أنس، زميله في الجامعة، روحًا شبيهة بروحه، باحثة عن الحقيقة.

منذ ذلك الوقت، لم يفترق الاثنان. كانا يخرجان معًا إلى الميدان، يقف إبراهيم خلف عدسته، بينما يتحدث أنس أمام الكاميرا. لم تكن العلاقة مجرد زمالة عمل؛ كانت صداقة تشبه التوأمة. كل من عرفهما كان يقول: "إبراهيم وأنس وجهان لعملة واحدة". في الأزمات كانا يسندان بعضهما البعض، وفي لحظات الخوف كان إبراهيم يهمس: "أنا معك.. روحي ليست أغلى من روحك."

عمل إبراهيم في منصات محلية مثل (الشمال أونلاين)، ثم التحق بفريق قناة الجزيرة، وصار جزءًا من عمل أنس اليومي. إذا شاهدت أنس الشريف في بث مباشر من شمال غزة، فاعلم أن إبراهيم هو من يقف خلف الكاميرا، صامدًا في وجه الرصاص، حريصًا على ألا يفقد العالم مشهدًا واحدًا مما يحدث. كان الاثنان يتحركان كأنهما جسد واحد: خطوة لأنس، تليها نظرة من إبراهيم، ثم صورة تترجم كل شيء.

وفي الحادي عشر من أغسطس الجاري، بلغ المشهد ذروته. كانت خيمة الصحفيين بجوار مجمع الشفاء الطبي في غزة مكانًا يستريح فيه الفريق قليلاً بين جولات التغطية. جلس أنس وإبراهيم وزملاؤهم محمد قريقع، محمد نوفل، مؤمن عليوة. دقائق قليلة فقط فصلت بين الضحك الخافت داخل الخيمة وبين هدير طائرة مسيّرة (إسرائيلية) ألقت بصواريخها عليهم دون إنذار.

في لحظة واحدة، انطفأت عدسة إبراهيم وصوت أنس معًا. ارتقيا إلى جانب رفاقهم، لكن المشهد الذي بقي محفورًا في قلوب من عرفوهما هو صورة جسديهما الممددين جنبًا إلى جنب، كما عاشا تمامًا. والدة إبراهيم حين رأت ابنها مسجى بجانب أنس، قالت وهي تبكي: "كانا توأمًا منذ الجامعة، لم يفترقا. حتى في موتهم لم يترك أحدهما الآخر. كان يقول لي دائمًا: روحي ليست أغلى من روح أنس."

(إسرائيل) أعلنت أنها استهدفت أنس الشريف بزعم أنه "إرهابي متنكر بزي صحفي". لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن أنس وإبراهيم لم يكونا سوى شهود على الجريمة، عيونًا تحمل للعالم ما يحاول الاحتلال أن يخفيه. 

بدورها نددت شبكة الجزيرة بالجريمة ووصفتها بأنها "هجوم سافر ومتعمد على حرية الصحافة". ومع استشهاد إبراهيم ورفاقه، ارتفع عدد الصحفيين الشهداء في غزة إلى 238 منذ بداية العدوان.

لكن الأرقام لا تكفي لتروي حكاية إبراهيم. كان أعزبًا، يعيش مع والدته وأهله في جباليا، لم يترك خلفه أسرة صغيرة، بل ترك فراغًا كبيرًا في قلب أمه وأصدقائه وزملائه. ترك وراءه صورة لشاب ضاحك العينين، يغامر بنفسه ليمنح العالم رواية بصرية لا تكذب. وترك حكاية صداقة فريدة، صداقة ظلّت عصية على الموت.

كان يقول لأنس في الميدان: "إذا اقترب الخطر، أنا بجانبك.. لا تقلق." وفي النهاية، أوفى بوعده. لم يتركه في الحياة، ولم يتخلف عنه في الموت. استشهدا معًا، وكأن القدر كتب اسميهما في صفحة واحدة، من سطر البداية إلى سطر النهاية.

هكذا رحل إبراهيم ظاهر.. لا كفردٍ وحيد، بل كجزء من ثنائية نادرة. رحل وفي قلبه صداقة أعمق من الإخوة، رفقة حقيقية لم تنكسر أمام الموت. رحل تاركًا لنا درسًا أن بعض العلاقات لا يقطعها القصف، بل يجعلها خالدة.

اخبار ذات صلة