في ظل تصاعد النقاش الإسرائيلي حول مستقبل الحرب في غزة وإمكانية التوجه نحو احتلال كامل للقطاع، تبرز أصوات تحذّر من المخاطر الاقتصادية الباهظة التي قد تترتب على هذه الخطوة.
ومن أبرز هذه الأصوات، ما كتبته كرنيت فلوغ، الحاكمة السابقة لبنك إسرائيل، في مقال تحليلي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، معتبرةً أن احتلال غزة سيكون نقطة تحوّل خطيرة، ليس فقط على الصعيد الأمني والسياسي، بل على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي واستقراره.
تؤكد فلوغ أنّ "إسرائيل" تعيش اليوم تحديات وجودية لم تعرفها من قبل، حيث تزداد عزلتها الدولية ويتعمّق الشرخ الداخلي الذي يمزق المجتمع الإسرائيلي.
وترى أن إضافة عبء احتلال قطاع غزة، بما فيه من أكثر من 2.2 مليون نسمة، لن يكون مجرد حلقة جديدة في صراع طويل، بل منعطفاً خطيراً قد تكون له عواقب وخيمة على وحدة المجتمع الإسرائيلي وتماسكه، إضافة إلى انعكاساته على يهود الشتات.
وتلفت فلوغ إلى أن صانعي القرار في تل أبيب يتجاهلون – على نحو مثير للقلق – البعد الاقتصادي لخطوة بهذا الحجم، مشيرةً إلى أنه لم يُطلب بعد إعداد دراسة منظمة وشاملة تقيّم التبعات المالية المحتملة للاحتلال.
تشير التقديرات التي استندت إليها فلوغ إلى أن إعادة إعمار قطاع غزة المدمَّر ستكلّف، وفق البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، نحو 53 مليار دولار (180 مليار شيكل)، وهو مبلغ هائل يوازي عدة أضعاف موازنات وزارات كاملة في "إسرائيل".
ومع تزايد الدمار بفعل العمليات العسكرية الأخيرة، سترتفع هذه الأرقام بشكل أكبر، ما يعني تحميل دافعي الضرائب الإسرائيليين عبئاً مالياً غير مسبوق، خاصة في ظل المعارضة الدولية التي ستمنع تحميل المجتمع الدولي هذه المسؤولية.
لا يقف الأمر عند إعادة الإعمار فحسب؛ فالقانون الدولي، وتحديداً اتفاقيات جنيف، يحمّل القوة المحتلة مسؤولية توفير الخدمات الإنسانية والمدنية للسكان الواقعين تحت سيطرتها.
وبذلك، ستجد "إسرائيل" نفسها مضطرة لتحمل تكاليف الغذاء والصحة والتعليم والبنى التحتية والرعاية الاجتماعية في غزة.
وتقدّر فلوغ التكلفة السنوية الدنيا لهذه الخدمات بنحو 10 مليارات شيكل، فيما تتحدث تقديرات وزارة الجيش الإسرائيلية عن أكثر من 20 مليار شيكل سنوياً لإنشاء إدارات مدنية وعسكرية لإدارة القطاع، وهو ما سيستنزف موارد إضافية من الاقتصاد.
تذهب فلوغ أبعد من ذلك، محذّرةً من أن الاحتلال سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على قطاع التكنولوجيا المتطورة، الذي يمثل قاطرة النمو في الاقتصاد الإسرائيلي خلال العقد الأخير.
فالتجنيد الواسع للأيدي العاملة الماهرة، إلى جانب احتمالات فرض عقوبات دولية، أو قيود على الصادرات والواردات، كلها عوامل ستضرب في صميم قدرة "إسرائيل" على الاستمرار في جذب الاستثمارات الأجنبية.
كما لفتت إلى أن وكالات التصنيف الائتماني بدأت بالفعل بمراجعة مؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي، وأن أي تدهور إضافي في العزلة سيؤدي إلى تراجع التصنيف وارتفاع معدلات الفائدة.
عزلة متزايدة ومخاطر المقاطعة
سلّطت فلوغ الضوء على البعد الآخر المتمثل في العزلة الاقتصادية والأكاديمية والثقافية المتزايدة التي تواجهها "إسرائيل". وأشارت إلى خطوة الصندوق السيادي النرويجي ببيع استثماراته في عشرات الشركات الإسرائيلية، معتبرةً أن هذا مجرد بداية قد تتبعها صناديق أخرى.
كما نبهت إلى المقاطعة الأكاديمية والعلمية "الصامتة"، حيث بات الباحثون الإسرائيليون يواجهون صعوبات في التعاون الدولي، والحصول على تمويل للأبحاث أو استقدام أساتذة زائرين. ويمتد هذا إلى مقاطعات ثقافية ورياضية، تزيد من عزلة "إسرائيل" وتغذي موجات عداء متصاعدة في الغرب.
وترى فلوغ أن هذه الأعباء المالية الضخمة ستؤدي إلى ارتفاع الدين العام وفوائده، وتراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن تقليص حاد في الخدمات العامة.
وتؤكد أن الإسرائيليين سيلمسون ذلك بشكل مباشر من خلال تراجع التعليم والصحة والبنى التحتية، إلى جانب زيادة الضرائب التي ستثقل كاهل فئة محدودة تتحمل أصلاً العبء الأكبر.
الأخطر من ذلك، بحسب فلوغ، هو خطر هجرة العقول وتراجع الهجرة إلى "إسرائيل"، وهو ما قد يشكل نزيفاً بشرياً يضعف الاقتصاد والمجتمع معاً.
وتختم الحاكمة السابقة لبنك إسرائيل مقالها بالتحذير من غياب النقاش الاستراتيجي العميق حول هذا الملف، مؤكدةً أن اتخاذ قرار بحجم احتلال غزة يجب أن يستند إلى دراسة متأنية وشفافة للتكاليف الاقتصادية، لا أن يُترك لمزاج سياسي أو حسابات عسكرية ضيقة.
وتشدد على أن إدماج البعد الاقتصادي في القرار السياسي – الأمني أمر وجودي بالنسبة لـ"إسرائيل"، وأن تجاهل هذا العامل قد يقود إلى "إضرار بالغ بمتانة الاقتصاد وبرفاهية المواطنين".