تستعد الجهات الدولية لإعلان رسمي عن وقوع المجاعة في قطاع غزة، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من نصف مليون إنسان داخل القطاع، وذلك استناداً إلى نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي "IPC" المعتمد عالميا، والذي يعد المرجعية الأكثر موثوقية في تقييم مستويات انعدام الأمن الغذائي في حالات الأزمات.
ومنذ تأسيس هذا النظام عام 2004، لم يستخدم مصطلح المجاعة إلا في أربع مناسبات سابقة كان آخرها في السودان عام 2023، ما يبرز فداحة الوضع القائم في غزة اليوم.
وتشير تقارير المنظمات الأممية إلى أن سكان محافظة غزة، بما فيها مدينة غزة وعدد من المخيمات والبلدات المحيطة، يعيشون أوضاعا وصفت بأنها "كارثية" تجمع بين الجوع الحاد والعوز وانعدام مقومات الحياة الأساسية، وصولا إلى تسجيل وفيات بالفعل بسبب الجوع وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
تحذيرات أممية
وفي بيان رسمي صدر عن الأمم المتحدة ووكالاتها الشريكة مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسف، حذرت المؤسسات الدولية من أن أكثر من 470 ألف شخص في غزة يواجهون حاليا مستويات مصنفة ضمن المرحلة الخامسة من انعدام الأمن الغذائي، أي المرحلة التي تعني الموت المحقق ما لم تصل المساعدات بشكل عاجل.
وقال البيان إن ما يزيد على 71 ألف طفل و17 ألف امرأة حامل أو مرضع بحاجة إلى علاج فوري من سوء التغذية الحاد، مشيرا إلى أن حالات الوفاة بين الأطفال بدأت بالتصاعد منذ منتصف يوليو الماضي، حيث سجلت أكثر من 16 حالة وفاة بين الأطفال دون سن الخامسة خلال أيام قليلة، وهي مؤشرات كافية لتأكيد تجاوز القطاع لعتبات المجاعة رسميا.
ووفق البيانات نفسها، فإن عدد حالات سوء التغذية بين الأطفال ارتفع ستة أضعاف منذ مارس الماضي، ما يؤكد أن الأزمة تتسارع بشكل خطير وأن كل يوم تأخير في الاستجابة يضاعف عدد الضحايا.
من جانبه، أكد فيليبو لازاريني المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، أن غزة تشهد مجاعة مصنوعة ومفتعلة، محذرا من أن آلاف الأطفال الذين يعانون حالياً من سوء التغذية قد لا يتمكنون من النجاة في حال استمرت العمليات العسكرية أو تواصل منع دخول المساعدات.
وقال لازاريني إن الوضع القائم ليس مجرد أزمة غذائية عابرة وإنما سياسة ممنهجة تهدف إلى تجويع السكان وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الغذاء والدواء.
واقع نعيشه!
ورغم كل هذه الشواهد والبيانات الموثقة، تواصل الحكومة الإسرائيلية إنكار وجود مجاعة في غزة، حيث صرحت أكثر من مرة أن الحديث عن مجاعة مبالغ فيه ويستهدف تحقيق مكاسب سياسية وإعلامية.
إلا أن تقارير دولية مستقلة بينها تقارير منظمة "آي بي سي" نفسها ووكالات كبرى مثل رويترز وواشنطن بوست، أثبتت بالأرقام أن أكثر من 122 شخصاً، بينهم 83 طفلاً، لقوا حتفهم بسبب الجوع حتى نهاية يوليو، في حين تجاوزت حالات سوء التغذية المسجلة 28 ألف حالة، وهو ما ينذر بانهيار صحي شامل.
أما المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فقد أصدر بيانا أكد فيه أن المجاعة لم تعد خطراً محتملا وإنما واقع يعيشه سكان غزة يوميا، مشيرا إلى أن الحصار الإسرائيلي ومنع دخول الغذاء والدواء، إلى جانب تدمير البنية التحتية من مخابز ومطاحن ومستودعات، شكّل الأسباب المباشرة لظهور المجاعة.
وحمّل المرصد (إسرائيل) المسؤولية الكاملة عن الكارثة، داعيا المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي إلى وقف أي تعاون سياسي أو اقتصادي مع تل أبيب إلى أن تلتزم بواجباتها القانونية والإنسانية، كما اعتبر أن استمرار الموقف الأوروبي المتساهل يشكل تواطؤاً مباشراً في جريمة إبادة جماعية.
وأكد المرصد أن عشرات الآلاف من العائلات تبيع ما تبقى من ممتلكاتها للحصول على لقمة عيش، بينما يُدفن كثير من الضحايا بعيداً عن أي تسجيل رسمي بسبب صعوبة التنقل والوصول إلى المستشفيات.
وتجدر الإشارة إلى أن واقع المجاعة في غزة اليوم لم يعد مجرد احتمال أو تحذير بل تحولت إلى كارثة معلنة بانتظار الاعتراف الرسمي.
الجوع القاتل في غزة.. تقرير أممي يضع العالم أمام لحظة الحقيقة
خاص- الرسالة نت