على الدرج الخارجي لمستشفى ناصر الطبي بخان يونس، كان المشهد يحمل ملامح البطولة الأخيرة. الصحفيون يحملون كاميراتهم، ورجال الدفاع المدني يتسابقون لإنقاذ ضحايا قصفٍ سبقه بقليل .
سلالم المستشفى بدت كأنها جسرٌ معلّق بين الحياة والموت، وعلى كل درجة، كانت الأقدام تتثاقل، لكن العزيمة تندفع إلى الأعلى، حيث تختبئ الحقيقة وسط الركام.
في تلك اللحظة، لم يكن الصحفيون الأربعة يعرفون أن العدسة التي يحملونها ستكون وصيتهم الأخيرة، وأن الصورة التي سعوا لتوثيقها ستتحوّل إلى صورة وداعهم هم.
محمد سلامة، مصور الجزيرة، الذي اعتاد أن يسبق الرصاص ليحمل للعالم شهادة حيّة، صعد الدرج بكاميرته كما لو أنه يطارد لقطة أخيرة. بجواره كانت مريم أبو دقة، المصورة التي لم تغادر الميدان يومًا، كاميرتها الصغيرة تسبق خطواتها، وفي عينيها إصرار على أن لا تُسرق الحقيقة.
حسام المصري، الصوت الذي لطالما رافق الميكروفون في التقارير الميدانية، كان هذه المرة أقرب إلى أن يصبح هو الخبر.
أما معاذ أبو طه، الشاب الذي لم تمض على رحلته الطويلة مع "مهنة المتاعب" سوى سنوات قليلة، فقد كان يحمل حلمًا مؤجلاً أن يروي قصة عن نهاية الحرب، لا عن نهايته هو.
الغارة الأولى هزّت الطابق الرابع، فاندفعوا نحو السلالم لإنقاذ العالقين. لم تمهلهم الغارة الثانية فرصة، إذ سقطت على ذات السلالم، على ذات الخطوات التي حملت في لحظةٍ واحدة الكاميرا والميكروفون وأدوات الإسعاف.
ارتجّ المكان، وتساقطت الأحجار، وتحولت الكاميرات إلى أشلاء معدنية ملطخة بالدماء، كأنها تنطفئ بصرخة أصحابها.
خمسة عشر شهيدًا ارتقوا في تلك اللحظة؛ خمسة منهم صحافيون حملوا الحقيقة حتى النهاية، بينهم محمد سلامة، مريم أبو دقة، حسام المصري، ومعاذ أبو طه وأحمد أبو عزيز. البقية من رجال الدفاع المدني والجرحى الذين كانوا يحاولون النجاة.
زملاؤهم الذين بقوا أحياء، لم يجدوا أمامهم سوى البكاء والكلمات المرتعشة.
هنا، في قلب المستشفى، تحوّل الدرج إلى نعشٍ مفتوح، والعدسة إلى شاهد قبر، والميكروفون إلى صرخة أخيرة.
لم يعد الصحفيون شهودًا على المجزرة فقط، بل صاروا جزءًا منها. الصورة التي التقطوها بالدم لا تحتاج إلى تعليق، فقد قالت ما لم تستطع الكلمات قوله: أن الحقيقة في غزة تُدفع بالروح، وأن الكاميرا قد تنطفئ، لكن شهادتها تبقى أبديّة.