قائمة الموقع

مريم أبو دقة… رحلت وفي يدها كاميرا ووصية!

2025-08-25T21:32:00+03:00
خاص_ الرسالة نت

في شوارع خان يونس المبللة بالدم والركام، سقطت الكاميرا من يد الصحفية الفلسطينية مريم أبو دقة، لتعلن أن الصورة الأخيرة التقطها قلبها قبل عدستها. رحلت وهي تغطي القصف (الإسرائيلي) الذي استهدف محيط مجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، فلم تعد عائدة لابنها الوحيد غيث، الذي كان ينتظرها كل يوم بلهفة، ولا عائدة إلى كلماتها التي تركت بصمتها على صفحات التواصل، بل إلى وصيتها التي كتبتها بصدق أم تعرف أن الموت يقترب من حولها كل ساعة.

مريم لم تكن مجرد صحفية ميدانية، بل ابنة غزة التي حملت الكاميرا كما يحمل المقاوم بندقيته. عاشت سنواتها الأخيرة متنقلة بين بيوت مدمرة ومستشفيات مزدحمة ومخيمات نزوح، شاهدة على ما أراد الاحتلال طمسه. عملت مع مؤسسات إعلامية مختلفة كـ (اندبندنت عربية) و(AP)، لكنها في كل مرة أكدت أن انتماءها الأول كان لغزة، وأنها لا ترى نفسها سوى عينًا للشعب الذي يموت أمامها.

قبل استشهادها بيوم واحد فقط، كتبت على فيسبوك:

"حين ترى التراب يغطي أغلى ما لديك وقتها ستدرك كم هي تافهة الحياة."

جملة قصيرة لكنها تلخص سنوات من الألم، وتجعل من رحيلها وكأنه خاتمة متوقعة لنص طويل كتبته بدمها وصورها.

ولم تكن مريم ابنة الكاميرا فقط، بل ابنة الوفاء. فهي التي تبرعت قبل سنوات بإحدى كليتيها لوالدها، رافضة أن يُنشر خبرها أو تُصوَّر قصتها، معتبرة أن التضحية في البيت أسمى من أي مجد إعلامي. وهي التي عاشت لأجل ابنها ووحيدها غيث، تربيه وحدها، تتعب وتكد لتكون له أمًا وأبًا وسندًا.

لكن قلب مريم المرهق لم يحتمل فكرة أن يُترك غيث في هذا العالم دونها، فكتبت وصيتها الأخيرة، وصية أم تعرف أنها قد ترحل في أي لحظة:

"غيث قلب وروح أمك أنت.. أنا بدي منك تدعيلي ما تبكي عليا مشان أضل مبسوطة. بدي ترفع رأسي وتصير شاطر ومتفوق وتكون قد حالك وتصير رجل أعمال قد حالك يا حبيبي. بدي يا ماما ما تنساني… بس تكبر وتتزوج وتجيب بنت سميها مريم ع اسمي… أمانة يا غيث صلاتك ثم صلاتك يا ماما."

وصية مريم لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مشروع حياة تضعه بين يدي ابنها، وتطلب منه أن يحمل اسمها في المستقبل. كأنها أرادت أن تخلد ذاتها فيه، لتبقى حاضرة وإن غابت.

لقد رحلت مريم، لكنها تركت وراءها ما لا يُمحى: زملاؤها الذين يروون شجاعتها في الميدان، يوم كانت تقود سيارتها لتنقل الصحفي الشهيد حسن اصليح في كل تغطية رغم تهديدات الاحتلال له، غير آبهة بالموت. تركت صورها التي وثقت الحقيقة، ووصيتها التي ستبقى تُقرأ كلما كبر غيث خطوة إلى الأمام.

مريم أبو دقة لم تكن أول شهيدة من الصحفيين في هذه الحرب، ولن تكون الأخيرة. لكنها ستظل وجهًا بارزًا لجيل اختار الكلمة والصورة سلاحًا، جيل لا يحمل سوى كاميرا وميكروفون، لكنه يعرف أن الاحتلال يخشاهما كما يخشى الرصاص.

اليوم، حين نذكر اسمها، فإننا لا نذكر فقط صحفية رحلت في الميدان، بل أمًا رحلت وقلقها الأول كان ابنها، وابنةً برّة بأبيها، وصوتًا ظل يصرخ بالعدالة حتى انقطع. رحلت مريم وفي يدها كاميرا، وفي قلبها وصية، وفي ذاكرتنا جميعًا حكاية ستُروى طويلًا.

اخبار ذات صلة