تتصاعد معاناة سكان قطاع غزة مع استمرار جيش الاحتلال الإسرائيلي بإصدار أوامر نزوح جماعية تستهدف سكان شمال ومدينة غزة، في وقت يعيش فيه السكان أصلا أوضاعا إنسانية متدهورة منذ ما يقارب 700 يوم من الحصار والقصف المتواصل.
هذه الأوامر التي تطلق في ظروف قاسية لا تتيح للسكان خيارا حقيقيا، وإنما تدفعهم نحو المجهول وتضاعف من حجم الكارثة الإنسانية.
ويواجه الغزيون الذين اضطروا لترك بيوتهم ظروفا مأساوية في أماكن نزوح مكتظة، حيث يفتقرون إلى الماء والغذاء والرعاية الصحية، عشرات الآلاف يعيشون في خيام عشوائية أو مبان مهدمة، بينما يواصل الاحتلال الترويج لمزاعم مضللة عن وجود مساحات واسعة في جنوب غزة يمكن أن تستوعب المهجرين، وهي رواية يكذبها الواقع بشكل واضح.
ويؤكد مختصون أن ما يجري هو عملية تهجير قسري منظمة تهدف إلى تفريغ شمال ومدينة غزة من سكانها ضمن سياسة تطهير عرقي موثقة.
أصوات من المعاناة
واضطر المواطن عبد الله الشندغلي من جباليا النزلة للنزوح مع أسرته إلى منطقة الصحابة بمدينة غزة، قائلا: "أجبرنا على ترك بيتنا تحت القصف وانتقلنا إلى منطقة الصحابة، لكننا لم نجد الأمان أيضا، نعيش بين النزوح والخوف الدائم ولا نملك القدرة على الانتقال مجددا، فالمصاريف مرهقة ولا نعرف إلى أين يمكن أن نذهب".
وأضاف عبد الله لـ "الرسالة نت": "النزوح لم يكن مجرد انتقال مكاني بل فقدان لكل مقومات الحياة، لم نتمكن من أخذ سوى بعض الملابس، أطفالنا يبكون من الخوف والجوع والمرض بدأ ينتشر بين الناس بسبب انعدام النظافة، في كل مرة نسمع عن أمر نزوح جديد نشعر أننا مطاردون حتى في أماكن نزوحنا".
وختم حديثه: "يتحدث الاحتلال عن أماكن فارغة في الجنوب، لكن أقاربنا هناك يعيشون في العراء، نحن محاصرون بالموت من كل جانب والحديث عن حلول إنسانية مجرد خداع للتغطية على جرائم التهجير".
أما المواطنة ألاء جمال، النازحة من منطقة بئر النعجة إلى منطقة أبو إسكندر في الشيخ رضوان، فتروي معاناتها: "غادرنا بيتنا على أمل أن نجد الأمان لكننا وجدنا أنفسنا في منطقة مستهدفة بالقصف، النزوح لم يجلب لنا سوى مزيد من الخوف والمعاناة".
وتصف ألاء صعوبة فقدان بيتها وذكرياتها: "تركنا كل شيء خلفنا، بيت العمر صار ركاما ولم أستطع حتى أخذ أغراضي الخاصة، نعيش اليوم في مكان ضيق بلا ماء أو كهرباء، ومع ذلك لا نعرف إلى أين نذهب إن صدر أمر نزوح جديد".
وأضافت بأسى: "النساء يعشن عبئا مضاعفا في هذه الظروف، نحاول حماية الأطفال وإطعامهم رغم انعدام الموارد، النزوح جرح مفتوح يزداد ألما كل يوم".
أما المواطن فايز وشح من سكان حي الرمال بمدينة غزة فيعبر عن قلقه الكبير من الدعوات المتكررة للنزوح جنوبا: "الجنوب مكتظ أصلا بالنازحين الذين يعيشون في أوضاع مأساوية، لا توجد مقومات للحياة هناك، وحديث الاحتلال عن مساحات فارغة مجرد كذبة".
وأكد أن قرار البقاء بات أفضل من خوض مغامرة نزوح جديدة: "رغم القصف في حي الرمال، نشعر أن بقاءنا أقل خطرا من الذهاب إلى أماكن لا تصلح للعيش، سمعت من أصدقائي هناك أن بعضهم ينام في العراء ولا يجد ما يسد رمقه".
ولفت إلى أن الاحتلال يريد أن يظهر للعالم أنه يقدّم حلولا إنسانية، لكنه في الحقيقة يخطط لتهجيرنا بشكل نهائي، نحن نتمسك بحقنا في البقاء على أرضنا مهما كانت التضحيات.
ترويج لأكاذيب
في حين، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن جيش الاحتلال يروّج أكاذيب وادعاءات باطلة وينشر خرائط مضللة لتهجير سكان غزة والشمال قسرياً وافتعال أزمة إنسانية جديدة.
وقال المكتب في بيان إن ما يروج له الاحتلال حول وجود مساحات شاسعة فارغة في جنوب قطاع غزة هو ادعاء باطل يتناقض مع الحقائق الميدانية، ويمثل محاولة لتضليل الرأي العام الدولي والتغطية على جريمة التهجير القسري واسعة النطاق، مشددا على أن هذه المزاعم تأتي ضمن حملة دعائية تستهدف كسر صمود الفلسطينيين في غزة والشمال.
وأضاف: "محافظات الجنوب والوسطى مكتظة بالكامل بأكثر من مليون وربع المليون من المهجرين الذين فرّوا من القصف المستمر، حيث يعيشون في خيام عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحياة".
كما أشار إلى أن المناطق التي يتحدث عنها الاحتلال في المواصي ومخيمات الوسطى هي أراضٍ محدودة غير مجهزة لاستيعاب هذا العدد الضخم من البشر، ومعظمها مزارع أو أراضٍ خاصة، وبعضها يقع في مناطق عازلة أو مهددة بالقصف، "وهو ما يعني أن الاحتلال يسعى عمداً لافتعال أزمة إنسانية جديدة تضاف إلى المأساة القائمة منذ نحو سبعمائة يوم من الإبادة الجماعية".
ولفت البيان إلى أن خريطة الاحتلال المزعومة مضللة، إذ تتجاهل الواقع الكارثي من الاكتظاظ الشديد وانعدام البنية التحتية، وتخفي حقيقة أن أي انتقال جديد للسكان سيؤدي إلى المزيد من المعاناة وانتشار الأمراض وتفاقم الجوع، في ظل استمرار الحصار ومنع دخول الإمدادات الأساسية وغياب المياه بشكل كامل.
وشدد المكتب الإعلامي على أن التهجير القسري يمثل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، وهو محظور وفق المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، لأنه يتم بالقوة وتحت القصف ومن دون ضمان العودة، ويهدف إلى تفريغ غزة وشمالها من سكانها الأصليين في إطار سياسة تطهير عرقي.